رشيد قدوري أبو نزار يكتب: نقد الميليشيات

كتب في 19 فبراير 2020 - 9:30 م
مشاركة

بقلم رشيد قدوري أبونزار

جاء في تعريف النقد على لسان د. بليل عبد الكريم أنه تمحيص للعمل الأدبي بشكلٍ متكاملٍ حال الانتهاء من كتابته؛ إذ يتمّ تقدير النصّ الأدبيّ تقديراً صحيحاً يكشِفُ مواطن الجودة والرداءة فيه، ويبيّن درجته وقيمته، ومن ثمّ الحكم عليه بمعايير مُعيّنة، وتصنيفه مع ما يشابهه منزلة.
هذا إذا احترم الناقد عمله ووظيفته لغرض أن يُصَنَّف ناقدا أولا؛ وليَكون نقده بنّاءً ثانيا؛ ويكون الهدف الأسمى من عمله النصحُ والتوجيه والثناء على ما يمكن الثناء عليه وتصحيح ما يراه مجانبا للمعايير المتعارف عليها في إبداع معين، وبذلك يخلص إلى مقال أو كتاب مُعْتَمد يُدخله في خانة الترحم على من عمل عملا فـأتقنه لا في خانة (الله يَخْلِيهَا مَارْكَة)…
لكن مع انتشار وسائل التوسُّل الاجتماعي أو التوسُّط الاجتماعي أو السِّباب الاجتماعي… سمّها ما شئت أن تسميها إلّا (التواصل الاجتماعي)، رغم أن هذا هو الغرض الأساسي التي خُلقت من أجله؛ أو هكذا أوْهَمتنا في بدايتها؛ خاصة في مجال الثقافة والإبداع… لكنه مع الأسف انجَرَّ كثير من الكتاب نحو التدوينات الطائشة؛ وانسلخوا عن دورهم الحقيقي الذي يتطلب منهم الرزانة وتأمل ما سينشرونه ألف مرة قبل إرساله للنشر في المجلات والصحف التي تحترم نفسها ؛ قبل أن تحترم المرسل ومادته ..وبما أن النشر صار أسرع وأسهل من أن يرتَدَّ إليك طرفك انساقَ البعض إلى نشر أي شيء دون احترام أو تقدير لدورهم ورسالتهم إن كانت لهم فعلا رسالة يقدّرون حجم المسؤولية فيها؛ بالنظر إلى الصفة التي يُزيّنون بها اصداراتهم وسيرهم الذاتية …
وبانعدام المسؤولية والتقدير طبعا تَوَلَّد ما يسمى بالميليشيات التي تمارس الطلقات العشوائية والقصف بلَيْل وزرع الطائفية ومناصرة جهة على حساب قذف جهة؛ واضفاء الشرعية على من تريد وتنزعها عمّن تُعادي على حسب المصلحة أو التخطيط أو مرض نفسي… لزرع مزيد من الفتن والضغينة والأحقاد حتى بين الأطراف التي تبدو لها متعايشة في سلام؛ مستغلة خبرتها الميدانية في الاتّجاه السلبي الذي يبدو ظاهريا مساندا للأطراف التي انحازت إليها؛ لكن باطنها إساءة لها وتقليب البقية عليها كإضفاء الشرعية مثلا على جهة هي نفسها لم تَدَّع ذلك يوما أو لم يخطر ببالها أنها يوما ما ستجد نفسها في هذا الموقف الذي وضعتها فيه تلك الميليشيات… وهنا يبقى دور ذكائها في رفض أو قبول هذا الوضع …
كان هذا هو الوصف العام لعمل الميليشيات لكن ما يهمنا هو الوصف الخاص بميليشيات النقد التي وجدت نفسها معزولة وتحاول بنفس الطرق استمالة فئة أو فئات معينة لمصلحة ذاتية أو تقليبا لوجهات الصراع الثقافي حتى لا يَنظر أحد في وجه الآخر تماما كما لا يُنظر في وجهها …وبعملها هذا قد تسيء حتى لعملها النظامي الذي كانت تمارسه من قبل؛ حين ارتضت أن تعزل نفسها وتمارس طلقاتها الطائشة من بعيد… وهو عمل من السهل على أي كان أن يمارسه إن هو اتّبَع هواهُ وراح ينبش فيما هو شخصي والابتعاد عمّا هو فكري؛ وحينها لن نخلص من هذا المرض بل وسنبتعد أكثر عن رسالة الأدب النبيلة …
وانا أعالج هذا الموضوع لا شك أن القارئ سيلاحظ أنني حاولت لجم القلم (المهلوس )ما أمكن حتى لا أسقط في تناقض الشعار والممارسة؛ على الأقل في هذه المقالة… لأن طلقات الهلوسة والسخرية من أسهل ما يكون وأوجعها.. لكن المقام فرض جديته واحترامه لأشخاص مع كامل الأسف تضعهم تلك الميلشيات وتضعنا محط حرج…
وفي الختم أتمناها مقالة بناءة لما رأته من خروج عن طريق النقد كما يعرف عند أهل الاختصاص وتذكيرا لعل الذكرى تردع المدّعين عن خبثهم…

The following two tabs change content below.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *