الصوت الطليق

كتب في 7 نونبر 2019 - 11:00 م
مشاركة

السلطة التي حاولت تغييب ناصر الزفزافي ذي الكاريزما التي استطاعت جمع الناس على احترام مواقفه، حتى الذين اختلفوا معه، الأمر المفتقد في الساحة المغربية، فلجأت لاعتقاله وإدانته بعدد سخي من سنوات السجن، ثم أتبعت الحكم بعملية تشتيت لعناصر القوة التي تكمل التركيبة الأساسية لهذه الفتوة الفريدة التي جمعت الريف العصي على كلمة سواء، مئات من الشباب الذين وجدوا أنفسهم في مواجهة اتهامات يسمعون عنها لأول مرة. ناصر، هذه الحالة الفريدة المغيبة لثلاث سنوات عبرت ما يعلمه الله من عقبات وخرجت في شكل تسجيل صوتي، كان كفيلا بأن يثير جنون السلطة ويجعلها تفقد صوابها أمام نفس المجموعة من الشباب مرة أخرى.

الساعة وخمس وعشرون دقيقة التي حكى فيها ناصر عن خواطر ومواقف من الماضي والحاضر، بنفس ثباته المعهود، كانت كفيلة بإعلان إعفاء مدير السجن المحلي راس الماء بفاس حيث يتواجد وأربعة من رفاقه، إضافة إلى إحالة ثلاثة موظفين آخرين على المجلس التأديبي وإجراء بحث على مستوى السجن من طرف لجنة تفتيش مركزية، خلصت لوجود ما وصفته بالتقصير المهني الجسيم، كما جاء في البلاغ الصحفي للمندوبية العامة لإدارة السجون وإعادة الادماج، وتحدث نفس البلاغ أيضا عن ثبوت قيام المعتقلين بما أسمته التنطع والتمرد على الموظفين ما جر عليهم إجراءات تأديبية شملت توزيعهم على مؤسسات سجنية ووضعهم في زنازين انفرادية ومنعهم من الزيارة ومن التواصل عبر الهاتف لمدة 45 يوم.

بهذه الطريقة إذا حاولت المندوبية إنهاء الجدل القائم حول ما ورد في التسجيل الصوتي، كل هذا التهويل الذي رافق ردود الفعل يدفع للتساؤل عن السبب الحقيقي ورائه، هل لأنه يتمرد عن الأنظمة الداخلية ويكسر القوانين المعمول بها داخل المؤسسة السجنية كما يتبادر للفهم للمرة الأولى؟ الإجابة بنعم عن هذا السؤال ستجعلنا أمام واقع تجاوزات عديدة في هذا الصدد، مثالها القريب هو ما يحظى به بعض الأباطرة داخل السجون من معاملة مميزة تجعل المحظور ممكنا ومتاحا، واليوتيوب شاهد على جلسات خمرية سجلت بالهواتف من قلب الزنازين، إذا ليست هذه الغضبة بسبب تجاوز المسموح به داخل هذه المؤسسة، وعليه فالحرب قائمة على مضمون التسجيل نفسه لا على التقصير الذي ساعد على تسريبه.

الرسائل الواردة في التسجيل التي أشعلت الغضب وفتحت باب الجنون، هي بلا شك موقف ناصر الواضح والشافي ومن خلاله جميع رفاقه من معتقلي حراك الريف من واقعة حرق العلم، والذي كان أكثر تأثيرا في الوجدان وملامسة للقلب من وقوف حفنة من الانتهازيين مزدوجي الجنسيات عديمي المواقف لترديد النشيد الوطني من داخل مؤسسة ذات دور باهت عقيم، الواقعة التي أريد منها إضافة المزيد من الزخم على التهم المضحكة التي حوكم بموجبها المعتقلون ولإلصاق تهمة الانفصال بهم أكثر وأكثر.

اقتصار التحقيق على طريقة تسريب التسجيل، والمتورطين في ذلك حسب رأي المندوبية دون دخول النيابة العامة للتحقيق في شهادة ناصر حول التعذيب والاغتصاب الذي تعرض له، يبدو دليلا في اتجاه صحة تصريحه وتصريحات عوائل المعتقلين بهذا الصدد، وشهادات المعتقلين السابقين الذين خرجوا وأجسادهم تحمل من علامات التعذيب ما لا يمكن نفيه أو تجاهله. خاصة إذا استحضرنا أنه سبق وأبلغ القاضي خلال جلسات محاكمته بهذه الوقائع دون أن يتم تحريك التحقيق الذي تطلب النيابة العامة اليوم دليلا لفتحه. مفارقات عديدة تكشف التعامل المسيّس مع هذا الملف.

ويكفي من تأثير الصوت الطليق لصاحبه الحر خلف ألف باب، أنه قلب السحر على الساحر، وأفلس خطة ترويج صورة الانفصالي الخائن عنه وعن رفاقه، فحدث العكس وترسخت في المقابل الصورة الحقيقة لممارسات المخزن اللاأخلاقية من خلال الشروع في تعذيب متهم لم يُدنه القضاء بعد تعذيبا جنسيا في أيام عظيمة القدر عند المغاربة.

The following two tabs change content below.

فاطمة الزهراء عامر

كاتبة رأي

أحدث مقالات فاطمة الزهراء عامر (المزيد)

تعليقات الزوار ( 1 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *