هل انتهت حركة التوحيد والإصلاح بعد الانتقام من حليفها الاستراتيجي في الانتخابات؟

كتب في 13 شتنبر 2021 - 11:47 م
مشاركة

مصطفى بوكرن، كاتب صحفي

بعد استضافتي من قبل الأستاذ عبد المنعم بيدوري في برنامجه الجديد، اكتشفت أن الكثير من أبناء البيجيدي، يتساءلون: لماذا مصطفى بوكرن كان ينشر الأرشيف؟، وهناك من يجيب بوضوح أنني أقوم بمهمة بمقابل لجهة ما.

شخصيا، اعتبر مثل هذه التساؤلات عادية، بل إنني أتفهم حتى التهم الموجهة إلي ولا يقلقني ذلك نهائيا. لأن من رُبي على الأوهام لفترة طويلة، لا يستطيع أن يعترف بتناقضاته ومشاكله الذاتية، بل يضطر إلى البحث عن شماعة يعلق عليها فشله، لا يستطيع أن يتذكر قول الله تعالى: “قل هو من عند أنفسكم”.

حين سئل الحسن الثاني رحمه الله، في ذاكرة ملك، عن ماذا سيكون لو لم يكن ملكا، قال سأكون مؤرخا. الممارسة السياسية، ليست علما رياضيا، الممارسة السياسية في الواقع، يطغى عليها النسبية والاحتمالات والتوقعات المفاجئة. ولذلك، يلجأ الساسة إلى قراءة التاريخ، لفهم الواقع واستشراف المستقبل، ويحاولون اعتماد السنن التي تضبط تاريخ أمة ما، للتنبؤ بما سيقع في المستقبل، لكن هذه القراءة أيضا، ليست يقينية، بل تحيط بها النسبية، غير أن قراءة التاريخ، يمنحك الملامح العامة لما سيكون في الحاضر والمستقبل، :”لقد كان في قصصهم عبرة لأولي الألباب”.

حين كنت أنشر الأرشيف، كنت أستهدف بالدرجة الأولى شباب البيجيدي وحركة التوحيد والإصلاح، أريد أن أبين لهم، أن هذه القيادات الحالية، ما وصلت إليه، جاء عبر مسار من الخطأ والصواب، لم يصبحوا زعماء فجأة، بل بادروا إلى الممارسة، دون تردد أو خوف، يتخذون قرارا، وينتظرون حكم التاريخ، إن كان خاطئا، يراجعوه، إن كان صحيحا يثمنوه، وهذا لا يمكن أن تعرفه إلا عبر الأرشيف. كنت أريد أن اقول للشباب: ثقوا في ذواتكم وأفكاركم، فانتم في مثل هذا السن أفضل بكثير مما كان عليه بنكيران، حين كان يطالب الدولة في 1987، بحرمان تارك الصلاة من الوظيفة العمومية. أنتم أفضل بكثير، لما تتمتعون به من معطيات جديدة، لم تكون في زمانهم. كنت أريد استنهاض الهمم، للمبادرة دون خوف أو نفوس مرتعشة، وأبين لهم تطور مواقف القيادات، كالشوباني الذي كان يطالب الحكومة بالاهتمام بآخرة المغاربة، والذي دعا بنكيران يوما، إلى عدم الانزياح عن الوظيفة الدعوية لجريدة الراية، التي تهتم بالشأن السياسي والمعتقلين السياسيين!.

أقدم لهؤلاء الشباب خدمة ثمينة دون مقابل، وهم يتهمونني بأنني أقوم بمهمة مأجور عليها!، ويعتقدون أنني أكره بنكيران، وأحقد عليه حقدا أسود، وأذكرهم بانني كتبت دراسة حول خطابه، أثبت أنه ليس خطابا إخوانيا، يريد تطبيق الشريعة، بل أعتبر بنكيران، وسميته “السياسي المؤمن”، لأنه تلقى من أبيه تربية صوفية، بل إنني كتبت في الصفحة الأولى من الكتاب الذي أهديته له حول الانتخابات الجماعية 4 شتنبر 2015، والذي يتضمن دراسة حول خطابه، كلمة مطولة،أبدأها بالقول: إلى السياسي المؤمن عبد الإله بنكيران. ولازلت أعتقد بذلك إلى الآن، لكن في الوقت نفسه، أعتبره ثعلبا مراوغا ومناورا في السياسة. مريدوه يريدون مني إما أن أكون كارها له بإطلاق، أو محبا له بإطلاق، وأنا لا أحبه ولا أكرهه، بل احاول أن أفسر خطابه، للأنني أمارس دوري من موقف المثقف النقدي، المؤمن بالفكرة الإسلامية الإصلاحية.

وقد يتساءل القارئ: أجب عن السؤال إنك تأخرت كثيرا؟، وأقول له، ما ذكرته لها علاقة بالموضوع، لا يمكن فهم العلاقة بين حركة التوحيد والإصلاح وحزب العدالة والتنمية إلا باستدعاء التاريخ.

إن التاريخ يقول: قامت حركة الإصلاح والتجديد بقيادة بنكيران، بعمليتين عبقريتين في أواسط التسعينات، انخرط أعضاؤها في حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الذي سصبح لاحقا، حزب العدالة والتنمية، ثم قامت إنجاز الوحدة مع رابطة المستقبل الإسلامي، وكان سؤال المشاركة السياسية، يخلق جدلا إيديولوجيا في صفوف الحركة الجديدة، حركة التوحيد والإصلاح، وتم حسمها باستدعاء الخطاب المقاصدي لأحمد الريسوني، الذي أقنع الإخوان، بأنهم سيدخلون إلى السياسية، لا من أجل السياسة، بل من أجل الدعوة والإصلاح والمجاهدة، وقامت الحركة باحتضان الحزب، فرعته ودعمته وهيكلته، وتركته ينضح إلى أن استقل عنها تنظيميا وبرامجيا، وتم ضبط العلاقة برؤية التماير بين السياسي والدعوي، هناك فصل في التنظيم ومشاركة في المرجعية الإسلامية، وحددت الحركة وظائفها في الدعوة والتربية والتكوين، ووظيفة الحزب، سياسية لكنه ملتزم بتعزيز المرجعية الإسلامية في مؤسسات الدولة، وكل هذا يدخل في ما يسمى بالمشروع الرسالي، الذي يعتمد وحدة المشروع وتعدد التخصصات.

كانت حركة التوحيد والإصلاح تريد من الحزب أن يقيم الدين في المؤسسات. فجأة، رأت حزبها في بقيادة بنكيران في الحكومة، يدعو فريقه البرلماني أن يصادق على اتفاقية سيداو، فتخرج الحركة بيانا تندد بذلك، لأن ما خرج بنكيران ضده في مارس 2000، بالمسيرة المليونية التي تندد بالخطة الوطنية لإدماج المرأة للتنمية، أصبح يتناقض معه. وجاء العثماني، فصدم الحركة بقانون الفرنسة، الذي يتناقض مع مشروع الحركة في دعم اللغة العربية، ودافع الرميد على قانون تقنين الكيف، فاستفز الحركة التي أطلقت حملة وطنية دعوية في سنة 2001، ضد الخمور والحشيش، ثم نزلت على الحركة صاعقة التطبيع، وهي ترى أحد قياديها الذي كتب كتابا يدعو فيه إلى المشاركة السياسية، والذي كان يعتبر التطبيع خيانة، يوقع على عودة التطبيع بين المغرب وإسرائيلي.

وجدت الحركة نفسها، أمام حزب يخرق التحالف الاستراتيجي حول تعزيز المرجعية الإسلامية في مؤسسات الدولة، يخل بهذا التحالف، دون أن يقدم مبررات مقنعة، الشيء الذي دفعها إلى عدم إصدار توجيه للأعضاء للتصويت على الحزب.

وجدت الحركة نفسها في مأزقين: المأزق الأول، حين كان حزبها السياسي يخلط بين الدعوي والسياسي، فاضطرت إلى إبداع صيغة تنظيمية، اسمها: “التمايز بين الدعوي والسياسي”، وظيفة الحزب سياسية، ينتج خطابا سياسيا بمرجعية إسلامية. كانت هذه الصيغة صالحة زمن المعارضة. المأزق الثاني، حين وصل حزب الحركة إلى الحكومة، أصبح الحزب لا يخلط بين الدعوي والسياسي، بل اصبحا يتناقض مع المرجعية الإسلامية، هنا أصيبت الحركة بالصدمة، لا حل لها لصيغة التناقض، بعدما نجحت في إيجاد حل لصيغة الخلط.. فهل الحركة ستحول حزبها إلى حزب علماني لكي لا يتناقض مع المرجعية الإسلامية، وتصدق فيها أطروحة “ما بعد الإسلاميين”، أم أنها ستلزم حزبها بالتشبث بالمرجعية الإسلامية، أم أنها ستتخلى عن حزبها الذي انحرف عن المرجعية؟

ما رأيناه الآن، هو أن الحركة عاقبت حزبها بعدم دعوت أعضائها للتصويت عليه، لكن هذه التصرف الانتخابي، لن يحل مشكلة “تناقض الحزب مع مرجعيته الإسلامية حين يكون في موقع التدبير”، فما العمل إذن؟.

إن الحركة تعيش مأزقا خطيرا، لأنها إيديولوجيتها تستند على فكرة “شمولية الإسلام”، أن الإسلام يشمل جميع مناحي الحياة، واختارت لذلك تنظيما ليس شموليا، بل تخصصيا، لكنه يصحب المرجعية الإسلامية، تخصصات: “النساء، الطلبة، النقابة، الحزب..” يدافعون عن المرجعية الإسلامية.

هذه الفكرة “شمولية الإسلام” تصدعت في أهم مجالات الإصلاح، السياسة، أثبتت الممارسة، أن الإسلام الذي تؤمن به الحركة، من صعب تنزيله في السياسات العمومية.

ومن مكر التاريخ، أن الحركة الإسلامية كانت تحتج على دولة ما بعد الاستقلال، بانها علمانية، ولا تطبق الإسلام في كل مجالات السياسة العمومية، وتستعمل هذه الآية القرآنية: “أَفَتُؤْمِنُونَ بِبَعْضِ الْكِتَابِ وَتَكْفُرُونَ بِبَعْضٍ ۚ فَمَا جَزَاءُ مَن يَفْعَلُ ذَٰلِكَ مِنكُمْ إِلَّا خِزْيٌ فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ۖ وَيَوْمَ الْقِيَامَةِ يُرَدُّونَ إِلَىٰ أَشَدِّ الْعَذَابِ ۗ وَمَا اللَّهُ بِغَافِلٍ عَمَّا تَعْمَلُونَ”. هذه الآية كانت تستعملها الحركة الإسلامية كأداة احتجاجية مرعبة.

ويمر الزمن، فنجد السلفيين يستنكرون على حزب العدالة والتنمية، بنفس إيديولوجيته القديمة، أنه أصبح علمانيا لا يطبق الشريعة في جميع المجالات!.

لن تنهار الحركة كتنظيم، لكن حزبها نسف إيديولوجيتها المؤسسة، التي لها دور في الحشد والتحميس زمن المعارضة، وحين وصل للتدبير الحكومي فشل في تطبيقها، أو القول الاصح، اكتشف في مؤسسات الدولة عالما آخر.

إذا نجحت الحركة في حل مشكلة الخلط بين الدعوي والسياسي برؤية التمايز، ولا حل لها لمشكلة تناقض حزبها مع مرجعيته الإسلامية إلا أن تصيره علمانيا، أو تؤسس حزب آخر يدافع عن المرجعية الإسلامية، وهذان أمران من المستحيلات بحسب القيادات الحالية.
الانهيار الانتخابي والإيديولوجي للحزب، له ارتدادات خطيرة داخل الحركة، تسائل إيديولوجيتها، المبنية على إقامة الدين في الدولة، ظنا من منها أن إقامة دولة الإسلام أمر مستحيل، فتخلت عن ذلك، فهل ستتخلى عن إيديولوجية إقامة الدين في الدولة؟.
إنه المأزق، ومن الصعب الحسم، وعدم الحسم سينتج تنظيما مشلول.
وأعود إلى الأرشيف، لأقول: إنه يخبرنا، بأن الإسلاميين في السياسة، تفاعلهم مع الدين يحدده موقعهم السياسي، فإن كانوا في المعارضة، استعملوا الخطاب الدعوي الاحتجاجي، وإن كانوا في الحكومة، استعملوا خطاب علمانيا لكي لا يستفزوا المواطنين. والآن قد يعودون إلى الخطاب الديني بكثافة، لحشد والتنظيم، ولكن هيهات.
لا يمكن السباحة في النهر مرتين.
باختصار انهارت إيديولوجية حركة التوحيد والإصلاح، وسيظل التنظيم باقيا، وإذا أرادت أن تستمر، عليها أن تقدم قراءة جديدة، للمرجعية الإسلامية، لتتحول إلى مرجعية تربوية صوفية، وهل يمكن ذلك؟!
إنه من التحديات الكبرى للحركة…

ويا للعجب، هل سيعودون لما كان يقوله فريد الأنصاري قبل 20 سنة؟

ويا للعجب، فهل الذين لم يلتحقوا بالحركة بسبب رفضهم للسياسية، كان اختيارهم صائبا؟

أم أن ثعالب هذه التجربة كانوا يعتبرون الحركة مجرد مرحلة نحو الحزب السياسي، وجمع الدروايش فيها يداعبون أحلامهم، ولذلك التحق جلهم بقيادة الحزب؟!

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *