على أبواب الأربعين

كتب في 21 يونيو 2020 - 2:13 م
مشاركة

وأنا على أبواب الأربعين، راض عن كل ما فات، وغير آبه أو ملهوف لتحصيل ما هو آت. وقفت مع نفسي لكي أراجع عثرات الماضي وحسناته، لأفاجئ بإنسان لا أعرفه، أو بالأحرى بت لا أعرفه. فسرحت في مخيلتي أتذكر وأتمعن وأحلل، بالكاد أفهم القليل، فكل مساعي الأمس بضرورياتها وكمالياتها – حققت أو لازالت أحلاما عالقة بالذهن – أصبحت اليوم وكأنها تفاهات ترهات قيد النسيان، ومع كل تحقيق وتدقيق ينتثر غبار أشلاء إنسان قد مات وانقضى على رأس كل دقيقة مرت من فترات الماضي الغابر بأحلامه وأهدافه وصداقاته وقناعاته وتصرفاته، إذ وبنفس الوثيرة وعلى نفس الأمل ولد شخص آخر، جاء وجوده وجوبا على أنقاض ماضيه، حيث سلك طريقا غير الطريق وغذى لا يؤمن بالتصفيق ولا ينخدع بالتنميق ولا يرضى أن يحمل ما لا يطيق، ولا أن يتعايش مع ما يليق وما لا يليق.

هو أسلوب حياة معلوم، ولكن مختلف اختلاف البشر منذ الأزل، تبقى فيه المبادئ قائمة على أنها كل شيء، ويسقط أمامها زبد الفضول وصنم الإغراء وزيغ الإفتاء وأقاويل الافتراء لتبرير الأفعال وتعليل الأخطاء أو تقليلا من شأن الخصوم والأعداء، أعداء النفس البشرية التي تطوق للبقاء والتملك رغم الأهوال ورغم الأحقاد.

وأنا على أبواب الأربعين، أحتسي فنجان القهوة على طاولة الحكمة في مقهى الذكريات، أضحك من نبرات العمر وهو ينقضي وأنا في آخر أيام الربيع، ربيع العمر حيث خالطت الكبار والصغار من الجنسين من بني البشر، كل آدمي يحلم بالنماء والرخاء في استمراريةٍ سرمدية، رغم وقوف حاجزي العجز والواقعية كحجر عثرة في وجه الأحلام.

العجز عن تحقيق الذات فيما فيه إرضاء النفس بإرضاء الآخر، والسعي لكسب مكان مرموق داخل المجتمع يضمن للإنسان الاحترام بين بني جلدته.

العجز عن رسم ملامح عالم متناسق تناسق المثالية التي سبق لأفلاطون أن رواها لنا في مدينته الفاضلة “يوتوبيا“، حيث تلتقي أسمى معاني المواطنة والروح والعدالة على مساحات لامتناهية تضمن للجميع أرقى مستويات الرفاهية والثقافة والتحضر.

العجز عن مجاراة الدنيا ومجرياتها بنفس النَّفَسِ والقوة والعزم والعطاء، بنفس الأسلوب وبِنَفَسِ الشباب الذي يسير إلى نهايته الحتمية كما يسير كل شيء في منحى عدمه.

هنا نضطر للرضوخ للواقعية التي تطوي تفاهات هاته الأحلام وتطوي تفاهات الماضي، وتنظر للعالم والبشر بعين من الجمود يبقى فيه كل حال على ما هو عليه منذ أول الخلق إلى أن يرث الله الأرض ومن عليها، فتكون حياة كل فرد متفرد من الوجود بطولها وعرضها مجرد رواية قصيرة أو بالأحرى مشهد رومانسي بطله نجم ولد في رحاب الكون فتلألأ يوما ما ثم هوى في اليوم الذي يليه تاركا وراءه خيطا رفيعا من النور يتبعه إلى حيث ينتهي به المطاف.

وأنا على أبواب الأربعين، لا شيء سار في المنحى الذي أردت له أن يسير، ولا حلم تحقق كاملا دون تبعات أو نواقص نزعت طعم الفوز ونكهة الفرح والمجد. عرفت حينها أن لا شيء يسير إلا بالتيسير، وأن مجريات القدر أقوى من أحلام البشر، فأول مشهد في الدنيا هو من عيني طفل بريء يرمي بكلتا يديه للأمام ليمشي على أربع، ثم على رجليه مقاوما جميع نظريات الجاذبية الأرضية التي تريده أن يجلس مكانه، ليخلق بكل جسده وبكل ما أوتي من قوة التوازن الفريد الذي يمشي به قاصدا حلوى الكرز ليغرس فيها كل أصابعه.

هذا العقل الذي يرى وعلى محدوديته الدنيا، كلها متغيرات لا محدودة وألغاز مشفرة، هو نفسه من يرى أن الدنيا قد سبق أن كتب فيها كل شيء من نَسَقٍ ومِيزَةٍ وحركةٍ وسكون، حتى ما فتئت أن أصبحت أصلا ثابتا مؤديا إلى مستقبل ثابت، قُدِّرَت فيه الأقوات والرزق والمرض وكل أوجه الابتلاء إلى غاية الفناء، ولم يبق فيه حاضرا سوى سند الايمان واسبابه، في منحنى لوغاريثمي يصعد وينزل ويثبت كمؤشر بورصة، يحدد مدى تحقيق القاعدة الإلهية والمغزى الأمثل من الخلق.

  بقلم : زكرياء جوطي

تعليقات الزوار ( 1 )

  1. مقال اكثر من رائع …هي حقيقة لا يراها الا شخص ذو حكمة و خبرة في الحياة …مزيدا من التألق ان شاء الله

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *