المغاربة وجحيم المعاناة النفسية.. شهادات صادمة من زمن الجائحة (روبورتاج)

كتب في 25 شتنبر 2020 - 5:15 م
مشاركة

صافية (29 عاما)، شابة من مدينة شفشاون، شمالي المغرب، عانت من مشاكل نفسية قبل جائحة كورونا ، وبلغت حدة الأزمة، مع الضغط النفسيّ المتأتّي من الإغلاق العام بسبب تشديد الإجراءات بالمغرب، بعد قرار الحكومة تطبيق الحجر الصحي وحالة الطوارئ الصحية، للحد من تفشي الفيروس.

 

تقول صافية ” نجيت من ثلاث محاولات انتحار.. أرى مستقبلي أشبه ببيت صغير بلا نافدة، فيه باب واحد وعندما أفتحه لا أجد شيئا غير السواد، وأتمنى أن تُمحى سنة 2020 من الوجود كأنها لم تكن”.

 

تفاقمَ الوضع النفسي لصافية خلال هذه الفترة، بسبب فقدانها لمورد عيشها،  ولقائها مع عائلتها البيولوجية التي لم تتقبل عودتها للبيت.

 

 بنبرة صوت حزينة توحي إلى الاستسلام، تقول صافية في مقابلة مع شمس بوست: “إذا كان المقصود من التأثير النفسي لكورونا، هو أن تفكر في إنهاء حياتك لـثلاث فأنا كذلك”.

 

قبل أن تضيف أنه منذ بداية الحجر الصحي بالمغرب “فكرت وحاولت إنهاء حياتي أكثر من مرة، وهذا يعني أيضا ان المعاناة النفسية بلغت أقصى حدودها، لآنها لم تعد مجرد فكرة، وإنما تحاول جديا وضع حد لحياتك، وهذا بالفعل أمر صعب ويزيد من تعقيد الحالة النفسية”.

 

ويقول الطبيب النفسي، نبيل برحيلي في مقابلة مع شمس بوست أن “العواقب النفسية للجائحة تتمظهر اساسا في ارتفاع نسب التوتر، القلق و الخوف (من العدوى او فقدان العمل و التوجس من المستقبل).

 

هذه الأعراض يضيف المتحدث، مسّت عددا كبيرا من المغاربة في بداية الجائحة و زادت حدّتها بشكل خّاص عند من يعانون من أمراض نفسية قبلية.

 

أثر اقتصادي بكلفة نفسية

 

حسب بحث حول تأثير فيروس كورونا على الوضع الاقتصادي والاجتماعي والنفسي للأسر المغربية، أنجزته المندوبية السامية للتخطيط (مؤسسة حكومية تعنى بالإحصاء)، خلال الفترة ما بين 14 و 23 أبريل/نيسان الماضي، فإن ثلث الأسر فقدت مورد دخلها، أي ما يمثل 34 في المائة من الأسر المغربية.

 

على غرار من فقدوا وظائفهم، توقفت صافية عن العمل، وعبثا اعتقدت أن الأمر لن يدوم سوى بضعة أيام، أو على الأكثر أسبوعين، هي مدة احتضان الفيروس كما كان يروج في خطابات المسؤولين، لكن صدمتها كانت كبيرة عندما استمر وضع العطالة لديها لشهر ثم شهرين فثلاثة.

 

في مستهل فترة الإغلاق الشامل، بسبب التدابير التي فرضتها الجائحة، قررت صافية العودة إلى كنف العائلة، واعتقدت أن في الأمر فرصة لقضاء بعض الوقت معها، بعد فراق طويل، وكما يقال المصائب تنزل تباعا، فما هي إلا أيام حتى ظهرت مشاكل أخرى مع العائلة التي هجرتها لسنوات ولم تكن تعرف الكثير عن باقي أفرادها.

 

وأضافت صافية وهي توجه نظرة هائمة إلى السماء: “هنا سيبدأ مسلسل جديد للمشاكل العائلية والضغوط النفسية خلال هذه الفترة.. عادت بي الذاكرة لأيام الطفولة التي عشت فيها أياما قاسية جدا…”.

 

بدأت بعض الأفكار السوداوية ترافق صافية، وتقول في هذا الصدد: ” بدأت تحتل عقلي بشكل دائم، بعد أن سلطت علي الأضواء في الأسبوع الأول من قدومي للبيت ورغبتي في قضاء وقت جيد رفقة عائلتي التي قررت أن أتسامح معها والعودة إلى أحضانها، أصبح الجميع ينبذني ولم يعد أحدٌ يتحمل وجودي هنا”.

 

أمام هذا الوضع النفسي المتأزم يوما بعد يوما، وجدت صافية نفسها في وضع لا تحسد عليه، فمن جهة فقدت مصدر رزقها الوحيد، ومن جهة ثانية لم تعد تطيق العيش مع عائلتها.

 

وتابعت بالقول: “حتى الشقة التي كنت أكتريها واستقر بها في طنجة شمالي المغرب، لم يعد بإمكاني أداء ثمن كرائها. ساءت حالتي النفسية بشكل كبير”.

 

وضع لم يزد حالتها النفسية إلا تأزما، فكانت من تجليات ذلك وفق ما أكدته الشابة المغربية الحرمان من النوم لعدة أيام متتالية، وتغيّر ملامح وجهها، الذي بدأت تظهر عليه علامات الكآبة والتعب النفسي البالغ.

 

” بات مستحيلا الاستمرار في العيش وسط هذا الحصار، فمن جهة، هناك حصار الحجر الصحي الذي طبقته الدولة، ومن جهة ثانية، هذا العداء الذي يمارس علي من طرف أفراد عائلتي.. ساءت حالتي النفسية كثيرا ولم تعد لدي القوة والصبر لمواصلة الحياة.. ” تضيف صافية بنبرة يملئها الحزن والأسى.

 

صمتت صافية لبعض الثواني، قبل أن تنخرط في حالة بكاء هستيري، ما إن توقفت، حتى صاحت: “لقد عانيتُ بما يكفي ، والآن يبدو أن المعاناة بدأت تأخذ منحىً آخر وتكبر أكثر فأكثر”، متسائلة بمرارة: “كيف سأهرب من المعاناة هذه المرة، لقد مررت بوقت عصيب جدا، عانيت فيه من المرض والتوتر بشأن مستقبلي الذي أصبح غامضا ومبهما وأشبه بالكوابيس المظلمة التي أعيشها يوميا”.

 

بعد مرور حوالي 3 أشهر، تقول صافية أنها ذاقت فيها كل أشكال الجحيم، استطاعت أخيرا الهروب من منزل عائلتها، بمساعدة أحد أصدقائها، الذي قالت إنه الصديق الوحيد الذي تفاعل بسرعة مع معاناتها النفسية، التي كادت أن تنهي حياتها ، لولا تدخله في الوقت المناسب، تضيف المتحدثة.

 

لا معطيات رسمية

 

بحسب ما كشفه الدكتور عمر بورام، المسؤول بمصلحة الصحة العقلية بوزارة الصحة، فإن 26.5 % من المغاربة يعانون من الاكتئاب خلال حياتهم، و9 % من أمراض اضطرابات القلق، 5،6% من اضطرابات ذهانية، بما فيها مرض الفصام الذي يمثل: 1 ٪  وذلك حسب نتائج المسح الوطني للسكان الذين تفوق أعمارهم 15 سنة.

 

ويقول الدكتور عمر بورام في لقاء مع شمس بوست، أنّ وزارة الصحة لا تتوفر على معطيات تقيم نسبة الساكنة التي تعرضت للضيق النفسي او الانتكاسة بسبب جائحة كوفيد 19.

 

قبل أن يضيف ” إلاّ انّها اتخذت في هذا الإطار عدة إجراءات تتعلق بالصحة النفسية والدعم النفسي الاجتماعي، تتلاءم مع احتياجات السكان المستهدفين، وذلك بمساهمة جمعيات المجتمع المدني (جمعيات الأخصائيين النفسانيين الكلينيكيين، جمعيات الأطباء النفسانيين، والأطباء المتخصصين في طب الإدمان، جمعيات مستعملي طب النفسي وعائلاتهم)”.

 

مشيرا إلى أن “الفئات المعرضة أكثر للضغط النفسي واثاره خلال هذه الفترة، هم المرضى بفيروس كورونا المستجد وعائلاتهم و العاملين بميدان الصحة و الخطوط الأمامية لمكافحة الجائحة، وايضا الأزواج خلال الحجر المنزلي، والأشخاص في وضعية إعاقة..”، يقول المتحدث.

 

وقال أن المرضى بفيروس كورونا المستجد الذين يتم علاجهم في المؤسسات الصحية الاستشفائية، يعتبرون من الفئة الخاصة المعرضة لمشاكل الصحة العقلية.

 

وفي هذا السياق أشار المسؤول إلى أن مرضى “كورونا” تعرضوا للضغط النفسي الناتج عن المرض وعن العزلة الصحية المفروضة عليهم.

 

وهؤلاء يضيف المتحدث، من الفئات المستهدفة والتي تحتاج لخدمات الدعم المركز وخدمات تعزيز الدعم الأسري والمجتمعي.

 

من جهة أخرى، صرّح المسؤول، إن وزارة الصحة بصدد وضع اللمسات الأخيرة على مخطط الصحة العقلية والدعم النفسي الاجتماعي في ظرفية جائحة الكوفيد على مدى 3 سنوات.

 

ويرتكز هذا المخطط بحسب ما أكده بورام على 4 محاور، من بينها : تقديم الخدمات الطبية والعيادات المتخصصة في الصحة العقلية للأشخاص الذين يعانون من الاضطرابات العقلية الخطيرة أو الحادة، و تقديم خدمات الصحة النفسية الأساسية للأشخاص في ضائقة نفسية حادة أو يعانون من اضطرابات نفسية بسيطة أو متوسطة، إلى جانب تعزيز الدعم الأسري والمجتمعي، للأشخاص الذين يعانون من ضائقة نفسية وادماج اعتبارات الصحة النفسية والدعم النفسيألاجتماعي في الخدمات الأساسية للساكنة العامة.

 

خلية الدعم النفسي تواكب.. والأطفال الأكثر تضررا من الجائحة

 

بعد ارتفاع حالات المرض النفسي خلال فترة الحجر، أحدثت خلية للدعم النفسي عن بعد من طرف أساتذة علم النفس بكلية علوم التربية بمدينة الرباط، وذلك باقتراح من عميدها عبد اللطيف كداي، حيث قدمت منذ شهر مارس الماضي، الدعم والمواكبة النفسيين لمئات المغاربة خلال هذه المرحلة بحسب ما كشفه حمزة شاينابو، منسق الخلية، خلال حديثه مع شمس بوست.

 

وقال الباحث المغربي، إن منظمة الصحة العالمية تؤكد في بلاغاتها الرسمية، أن أي جائحة، تكون لها تبعات نفسية، تصل في بعض الأحيان إلى مستويات عليا.

 

وبلغ عدد الأخصائيين في الخلية، الذين تطوعوا لتقديم الدعم النفسي للمواطنين المغاربة، ما مجموعه 25 متخصصا، كما تلقت الخلية اتصالات من جميع مناطق المغرب ومن مختلف فئات المجتمع.

 

ويضيف حمزة، أن في بداية المرحلة الأولى من الحجر الصحي، لاحظ الأخصائيون تفاقم المعاناة النفسية لدى المتصلين، وارتفاع حالات الاكتئاب والقلق، واضطرابات النوم عند الصغار والكبار على السواء، وارتفاع حالات المرض النفسي الناجمة عن التعرض للعنف الزوجي.

 

وفي هذا السياق، يقول حمزة، إن الخلية أحدثت في هذا الإطار من أجل تقديم الدعم النفسي، وفق بروتوكول علاجي ومنهجية علمية صارمة، تدخلت فيها مختلف التخصصات : السيكولوجية والبسيكولوجية والسوسيولوجية والطبية.

 

وأحيلت عدة حالات على الطبيب النفسي، بعدما تطلب وضعها النفسي تدخلا علاجيا.

 

من جهته كشف الأستاذ الباحث بالكلية، وعضو الخلية، مصطفى أوسرار، أن العديد من المغاربة ظهرت عندهم أعراض نفسية مختلفة خلال فترة الجائحة ( اكتئاب، خوف، قلق مرضي)، وكانوا بحاجة ماسة للدعم في مختلف المجالات والقطاعات، يضيف المتحدث.

 

ويضيف الباحث المغربي ” لقيت الخلية تفاعلا مهما من خلال الاتصالات اليومية من داخل المغرب وخارجه، حيث تواصل العديد من المواطنين المغاربة من خارج الوطن يطلبون تلقي الدعم النفسي”.

 

وعاش عشرات الألاف من المغاربة العالقين خارج أرض الوطن، ظروفا نفسية وصحية صعبة بسبب قرار المغرب منع التنقل الجوي والبحري وإغلاق تام لحدوده.

 

وقال أوسرار إن الخلية واكبت كل القرارات الحكومية المتعقلة بمواجهة كورونا، بدعم وإرشاد نفسيين للمواطنين.

 

وأشار أوسرار إلى أن الأطفال، كانت الفئة الأكثر تضررا من الناحية النفسية خلال هذه الفترة، ويبرز قائلا: “كانت ثمة صعوبات كبيرة في البداية في التعامل مع الأطفال.. الأطفال كانوا يقضون معظم وقتهم في المدرسة والآباء كذلك يقضون معظم وقتهم في العمل، فبالتالي عودة الأسرة كلها للبيت، شكل صعوبة في التعامل مع الاطفال..والآباء كانوا بحاجة لاستراتيجيات من أجل التعامل مع سلوك أطفالهم خلال هذه الفترة”.

  

المغاربة غير مستعدين لفترة حجر صحي آخر

 

كشفت دراسة حديثة للمعهد المغربي لتحليل السياسات، نشرت في الفاتح من شتنبر الجاري أن “الأشهر الثلاثة التي قضاها المواطنون المغاربة في الحجر الصحي قد كانت لها تأثيرات نفسية سلبية عليهم، ما جعلهم يبدون غير مستعدين لفترة حجر صحي آخر”.

 

وقالت الدراسة إن “أكثر من نصف المغاربة المستجوبين (54 في المائة) قالوا إنهم غير مستعدين لفترة حجر صحي ثانٍ ولو انتشر فيروس كورونا بشكل أكبر”.

 

ووظفت الدراسة تقنية البحث الكمي، من خلال استعمال تقنية الاستمارة المملوءة بشكل ذاتي عبر الإنترنيت، وتم ملئ الاستمارات من طرف المبحوثين خلال الفترة الممتدة ما بين 8 و23 يوليوز، وشملت الدراسة عينة مقدّرة في 1100 مبحوثا، يمثلون السكان المغاربة الذين تبلغ أعمارهم 18 عامًاً أو أكثر.

 

وفي هذا الصدد يقول الطبيب النفسي نبيل برحيلي، أن الحجر الصحي كانت له إنعكاسات وخيمة على صحة المواطنين، “اذ أن اول الانعكاسات السلبية التي لوحظت تتعلق باضطرابات النوم بسبب وقوع خلل في الساعة البيولوجية للمواطنين”.

 

ويضيف ” من المعروف أن ضبط تزامن الساعة البيولوجية يتم بفضل مجموعة من المؤثرات الخارجية أولها ضوء الشمس، بالإضافة إلى التغيرات في الجدول الزمني لتفاعلاتنا الاجتماعية ونشاطاتنا الخارجية و عاداتنا المنزلية اليومية”.

 

ويؤكد المتحدث، أن الحجر الصحي أضعف دور تلك المؤثرات، إذ توقفت الدراسة و الاعمال و اللقاء ات الاجتماعية بالعائلة و الأصدقاء، مما تسبب في ظهور اضطرابات في النوم من قبيل التأخر في مواعيد النوم و الاستيقاظ.

 

اضافة الى ذلك، يقول برحيلي، “ساهم التباعد الاجتماعي وقضاء ساعات طوال داخل المنازل المغلقة، في ظهور و تفاقم أعراض الاكتئاب و التوتر، و هذا أمر لاحظناه في ممارستنا المهنية إذ تضاعف عدد الأشخاص اللّذين طرقوا باب مصالح الطب النفسي طلبا للعلاج و المساعدة بعد رفع الحجر” يضيف المتحدث.

 

هند.. من محاولات لتبدو إيجابية إلى مكتئبة انهكتها الأدوية

 

هند، المقيمة بمدينة الدار البيضاء، اعترفت بكل تلقائية، أن تداعيات جائحة كورونا أثرت عليها نفسيا: “بعد محاولاتي المتكررة أن أبدو إيجابية أمام محيطي، أتت فترة مرضتُ فيها نفسيا لما طال الحجر الصحي، مع العلم أنني أعاني من مرض الاكتئاب منذ مدة تفوق أربع سنوات، وأخذ ضده أدوية” تقول الشابة المغربية ذات 28 ربيعا.

 

 

وأكدت هند: “حاولت الخروج من السلبية التي وضعني فيها الحجر الصحي، لكن للأسف ما هربتُ منه في السابق وقعت فيه جراء الضغط والخوف، ووصلت لدرجة نقلي إلى المستشفى في مرات عديدة، ومما لاحظته أنني أصبحت آكل بشهية مفرطة، حتى زاد وزني مما شكل لي عقدة”.

 

علاقة هند بعائلتها خلال فترة الحجر الصحي لا تختلف كثيرا عما حكته صافية بألم ومرارة، إذ كانت كثيرة التخاصم معها، حتى بدون وجود سبب مقنع.

 

وضع قلب كل شيء رأسا على عقب، فبعدما كانت تخطط لقضاء عطلتها خارج المغرب من أجل التخلص من الضغط الذي تعرضت له قبل الحجر الصحي، تحولت إلى شبه سجينة، مباشرة بعد الإعلان عن حالة الطوارئ.

 

طرحت هند عدة أسئلة في ذهنها، لعل أبرزها كما تقول:  “كيف سأتابع مع طبيبتي النفسية في مدينة الرباط، وطبيب الأسنان بمدينة طنجة وأنا متواجدة بالدار البيضاء؟”.

 

وشددت أن الحلول الترقيعية التي لجأت إليها للبحث عن طبيب آخر لم تجدي نفعا، “يصعب تغيير طبيب أو طبيبة ترتاح لها”.

 

بعد تنهيدة مسموعة قالت: “حاولت عدة مرات شرح الأزمة التي أعاني منها، لكن دون جدوى، لا أحد استطاع فهمي، أو حتى قدّر الأمر، مما جعلني أتألم أكثر، فتحولت من إنسانة تعيش وتحاول العودة إلى حياتها بشكل طبيعي نسبيا، إلى إنسانة كئيبة وحزينة، نعم، رجعت إلى نقطة الصفر، بعد تحسن في حالتي جراء الاكتئاب الذي أنهك روحي بالضغط، وجسدي بالأدوية، طوال أربع سنوات”.

 

وعددت الشابة التي لم تقتنع بسهولة بالبوح لشمس بوست بما عانته، في نهاية حديثها عن الحروب التي واجهتها خلال ثلاثة أشهر من الحجر الصحي قائلة: “وجدت نفسي في حرب جديدة مع مرض خطير أصاب العالم بأسره، ومع مرض أعاني منه منذ زمن طويل، ومع الحجر الصحي، إضافة إلى الإحساس بالوحدة التي تفاقمت، والضغط، والخوف على نفسي وأحبابي”.

 

“الحجر الصحي” أوقذ شرارة الانتحار 

 

لعل من النتائج المثبتة علميا لتفاقم الأمراض النفسية وبالخصوص الاكتئاب، هو التفكير في الخلاص عبر الانتحار، وكان لزاما في هذا الصدد، فهم الوضع أكثر، وهنا لابد من تقديم  رأي المختصين.

 

الباحث في التربية وعلم الاجتماع بالمركز المغربي للدراسات والأبحاث التربوية، يونس الجزولي، بمدينة شفشاون، وصاحب دراسة “الانتحار في زمن الحجر الصحي بالمغرب”، التي أكد فيها أن “الظاهرة تتسعُ دائرتها كلما مرت ظروف معينة، ومن أجل فهم عوامل ظاهرة الانتحار زمن الحجر الصحي اعتمدنا على متغيرات معنية، منها العدد، والسن، والجنس، والحالة العائلية والاجتماعية والمهنية، وكذلك وسط ومكان الانتحار وتاريخه”.

 

هذا “فضلا عن أداة الانتحار المستعملة، وعند قراءة سريعة في هذه المتغيرات خلصنا، أن عدد المنتحرين في الفترة الممتدة ما بين 20 مارس إلى 20 أبريل، وصل إلى 22 حالة، منهم 18 من جنس الذكور، أي تقريبا حالة انتحار كل يوم، وهذا رقم مفزع ومقلق وخطير جدا”.

 

وذكر الجزولي أن “الحالات المسجلة خلال الفترة المذكورة شملت جميع الفئات العمرية، من 12 سنة إلى 80 سنة، وحسب متغير الحالية العائلية والمهنية، أغلب المنتحرين متزوجون، أي يحملون على عاتقهم مسؤولية أسرة بأكملها، وجُلهم ينتمون إلى القطاع غير المهيكل الذي تضرر بشكل كبير جدا، مما جعل الأسر تفقدُ مدخولها الشهري بسبب الحجر الصحي”.

 

كما أن صاحب الدراسة خلُص أن “الانتحار بلغ ذروته في بداية شهر أبريل، وتفسير هذا الأمر بأنه كلما تقدمنا في الحجر الصحي والضغوط النفسية إلا وازدادت الحالات، بالنسبة لوسط الانتحار، هُناك تقارب بين الوسطين الحضري والقروي؛ الأول بـ 59 في المائة، والثاني 39 في المائة، وحالات موزعة على مختلف مناطق المغرب، مع ملاحظة أن جهة طنجة تطوان الحسيمة تتربع على عرش عدد المنتحرين، والمنطقة التي نتواجد فيها الآن سجلت رقم أكبر خلال طول الفترات، وليس فقط خلال في الحجر الصحي”.

 

وكشف الباحث عن الدافع الذي جعله ينجز الدراسة المذكورة، “أولا اهتمامي بالحقل السوسيولوجي، وثانيا انشغالي بهذا الموضوع بالذات، وسبق لي أن قمت بدراسات حول الموضوع، آخرها قبل الإعلان عن الحجر الصحي حول ظاهرة انتحار النساء بإقليم شفشاون، وثالثا أن الموضوع ذو راهنية مما دفعني لتقديم معطيات جديدة، وإشارات قد يلتقطها الطلبة الباحثون  من أجل الخوص في الموضوع أكثر”.

 

وأشار أن “المغاربة مروا خلال فترة الحجر الصحي من أزمات نفسية حادة، وتقديري أن الأمر يرجعُ لعدم تقبلهم للحجر الصحي، لأننا ألفنا التقارب الاجتماعي والحياة الجماعية، والحريات الفردية، ولا شك أن التضييق على الحريات المكتسبة شكل أزمات نفسية خطيرة، لا سيما عند الأشخاص الذين لديهم ترسبات نفسية وعقلية، ومروا من أزمات سابقة، وأكثر من ذلك هناك من لديه قابلية جينية للانتحار، كما تقول الباحثة في علم النفس النيوزلندية تجيسبي برينك، أن بعض الأشخاص لديهم القابلية للانتحار إذا تصادفت مع ظروف قاسية يصبح الفرد يؤذي نفسه أكثر من السابق”.

 

في المقابل، نبه إلى أن “التواصل مع عائلات ضحايا الانتحار إن صح التعبير أو المرشحين للانتحار، أو الحالات الفاشلة للانتحار، وذلك بسبب ظروف التنقل والقيود المفروضة على الحركة، والخوف من نقل العدوى من شخص إلى آخر، ولكن ننتظر بفارغ الصبر أن ينتهي الحجر الصحي للنزول إلى الميدان، والالتقاء بالعائلات مباشرة، علما أنه بإمكاننا التواصل معهم عبر مواقع التواصل الاجتماعي، لكن يقينا النتائج التي سنتوصل لها عبر هذه الطريقة ستكون مشوهة ومضللة، ونحن نريد نتائج معقولة ومبنية على دراسات علمية رصينة وميدانية، فلننتظر رفع الحجر”.

 

من جهة أخرى، أبرز أن المركز قام “بدراسة إضافية خلال الشهر  الثاني الحجر الصحي لمقارنتها بالفترة السابقة، باستعمال نفس الأدوات والمنهج، ولاحظنا تراجعا في عدد حالات الانتحار  بتسجيل 17 حالة، بدل  22 حالة في الفترة الأولى، إلا أن فئة الأطفال شكلت نسبة مهمة، بلغت أربع حالات تتراوح أعمارهم ما بين 14 و17 سنة، وانقلبت الآية في وسط الانتحار، الفترة الأولى كان الوسط الحضري أكثر من الوسط القروي، بينما في الفترة الثانية أصبح العكس”.

 

ولفت إلى أن “هناك ملاحظة غريبة جدا، أن نسبة 30 في المائة ينتحرون في المواسم الدينية، مثال بسيط في شهر رمضان الذي تزامن مع الحجر الصحي سُجلت ثلاث حالات انتحار دفعة واحدة، وفي عيد الفطر حالتان، وبالنسبة لأدوات الانتحار بقي أسلوب الشنق هو الغالب، يليه الارتماء من طابق أعلى، وحالة واحدة بسبب تناول مبيد الفئران”.

 

وأرجع إلى أن ” ارتفاع نسبة انتحار الأطفال حسب الدراسة الثانية، ربما بسبب استمرار الحجر الصحي، لأنهم كانوا يُمنون أنفسهم بالخروج للشارع من أجل اللعب في الفضاءات المفتوحة، لكن صُدموا بقرار تمديد الحجر الصحي لفترة ثانية، ونعلم أن نفسية الأطفال هشة جدا وتتأثر بشكل كبير، بالتالي يتوجه الأطفال إلى الألعاب الإلكترونية، التي كانت الملاذ خلال الفترة المذكورة، وربما تأثروا ببعض الألعاب، كما رأينا سابقا لعبة الحوت الأزرق كم كان لها من ضحايا”.

 

قلة الموارد وضعف الإقبال

 

بحسب معطيات صادرة عن وزارة الصحة توصل بها شمس بوست، فإن الطاقة السريرية الاستيعابية للطب النفسي بالمغرب تبلغ حاليا 2260 سريرًا، كما إن الاطباء النفسيين يبلغ عددهم 362 طبيبا، والممرضين النفسيين يبغ عددهم 1301.

 

يرى الدكتور والطبيب النفسي، نبيل برحيلي، أن هناك إقبال ضعيف على العلاج النفسي من طرف المغاربة، ويقول الدكتور في مقابلة مع شمس بوست : “لازلنا نلاحظ اقبالا ضعيفا مشوبا بالتوجس على الطب النفسي”.

 

 عدد المصابين باضطرابات نفسية الذين تم علاجهم على مستوى مؤسسات الصحة الاولية سنة 2019، بلغ 110851 شخص، كما أن 28491 مريضا تلقوا علاجهم بالمؤسسات الاستشفائية.

 

قبل أن يضيف “الخجل أو الخوف من استشارة الطبيب النفسي هي ظاهرة لا تقتصر فقط على المغاربة، بل هي منتشرة بمعظم البلدان النامية.

 

وفي هذا السياق قدم الطبيب النفسي عدة تفسيرات، ويقول أن الظاهرة مركبة و تتداخل فيها عدة عوامل، أوّلها : هو أن بعض العادات في ثقافتنا الشعبية تنسب أعراض الأمراض النفسية لأسباب دينية؛ روحانية أو ظواهر خارقة، و نتيجة لذلك، يفضل المرضى اللّجوء إلى العلاج التقليدي عوض الطب النفسي المتخصص.”

 

والسبب الثاني يقول المتحدث، “هو الصورة النمطية و الوصمة اللتان يعاني منهما المريض النفسي و الطبيب”.

 

قبل أن يشير إلى أن عدد لا يستهان به من المغاربة ينعت المريض النفسي بـ”الأحمق”، و الطبيب النفسي بـ”طبيب الحمّاق، والأدوية في تصورهم هي مخدرات أو مهدآت في أحسن الأحوال”.

 

ويقول برحيلي “تغيير هته الصورة النمطية يتطلب تظافرا للجهود داخل المجتمع من أجل تمكين المرضى من الاستفادة من خدمات الطب النفسي دون توجس او حرج”.

 

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *