يوميات في حضرة الشوافة -12-

كتب في 6 ماي 2020 - 5:00 م
مشاركة

عادت ” الشريفة” من الحمام توجهت نحو غرفة نومها.. كنت جالسا بالمطبخ قرب الخادمة “زهرة”، وهي تحضر وجبة الكسكس، بعدما أنهينا مهمة ترتيب أفرشة وتنظيف بيت الضيوف.

 

ارتدت “الشريفة” جلبابا أبيض ومنديلا يميل إلى اللون الأصفر، يشبه لون “الشربيل” الذي كانت تنتعله، حملت سجادة في ذات ألوان زاهية تتوسطها صورة للكعبة المشرفة، ووضعت سبحة في عنقها، وتوجهت نحو المسجد الكبير لأداء صلاة الجمعة، لم أرى “الشريفة” تصلي يوما، وما أن غادرت حتى شرعت “زهرة” في إتمام حكايتها وعلاقتها بمشغلتها.

 

حكت لي أنها أصبحت تعاملها بشكل جيد وتستشير معها في عدة أمور، وأنها لم تعد تعاملها بقسوة كما كانت في السابق، وتغير سلوكها معها خلال السنتين الأخيرتين بشكل ملحوظ، وخاصة بعد زواج ابنتها وذهابها إلى فرنسا للعيش مع زوجها هناك، ورفض أبناءها زيارتها في بيتها بسبب موقفهم من عملها، إذ بقيت بقيت وحيدة الأن.

 

لا شك أن هذا المعطى جعلها تغير من سلوكها اتجاهي، والأكثر من هذا أنها شعرت بالذنب بعد ما منعتني من دخول المدرسة، فحرصت خلال الأيام على تعليمي قراءة الحروف الهجائية وكتابتها مع بعض الجمل، وما هي لحظات حتى أتت “زهرة” بدفتر كانت تكتب فيه ما تعلمته من قراءة وكتابة، وعدتها بإحضار بعض القصص لكي تتمرس أكثر على القراءة.

أعادت ” زهرة” الدفتر إلى مكانه، واستمرت في حديثها عن الشريفة “مشغلتها” حكت لي أن حبها ازداد نحوها أكثر، لما تصدت إلى والدها الذي كان يعتزم تزويجها إلى أحد أقاربه في القرية خلال نهاية الصيف، سمعتها تدافع عني بقوة أثناء حديثها مع أبي، أكدت له أن “زهرة” لا زالت صغيرة بعد، ولا يمكنها أبدا أن تتزوج في هذه السن ومن رجل يكبرها بسنوات طويلة.

 

حاول أبي إقناعها أن بنات قريتنا يتزوجن في مثل سنها وأن العريس جهز نفسه للزواج ب “زهرة” وأنه سيشعر بالخجل إتجاه قريبه وخاصة أنه وعده في وقت سابق بالزواج منها، ثارت في وجهه “الشريفة” بصوت مرتفع، وقالت له “زهرة” بنتي ولا دخل لك في شأنها، فأنا من أتولى مهمة إختيار العريس المناسب لها وأعرف مصلحتها أكثر منك، فأنت كنت تكتفي فقط في أخذ ما تجنيه من مال مقابل اشتغالها عندي.. وما عليك الآن إلا أن تغادر بيتي، فرحت وسعدت كثيرا “زهرة” بهذا القرار لأنها لم تكن ترغب في الزواج في هذه السن المبكرة، ولا يهمها شأن الأخريات بقريتها اللواتي يتزوجن صغيرات، ازداد كرهي لأبي الذي رماني في وقت ما ببيت “الشريفة” وعاد ليرميني من جديد بين أحضان قريب له لم أعرفه ولم أراه يوما.

عادت “الشريفة” من المسجد، تناولنا وجبة الكسكس، تحت شجرة التوت، وبعدها غادرت نحو ملعب “الزويتينة” أين تنتظرني مقابلة صعبة في كرة القدم بين فريق الخضارين والجزارين.

يتبع

 

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *