يوميات في حضرة الشوافة – 9-

كتب في 3 ماي 2020 - 6:19 ص
مشاركة

كان يوم الخميس، وهو اليوم الذي أتقاضى فيه راتبي الأسبوعي من عند الشوافة، لم أكن أعرف الثمن الذي ستدفعه لي، لأنني لم أناقش معها الأمر يوم بدأت العمل معها، لأننا نحن العمال الصغار لم نكن نناقش الثمن ولا حتى عدد الساعات التي نعملها مع المشغل، المهم عندنا هو تكسير الروتين والحصول على بعض الدراهم للذهاب إلى السينما أو المسبح البلدي أو لشراء بعض المستلزمات الدراسية.

 

زبونات كثيرات توافدن هذا اليوم على بيت “الشريفة”، يتعالى صوتهن داخل قاعة الإنتظار، أطلب منهن الهدوء حتى لا يشوشن على عمل “الشريفة” وأذكرهن أن أصحاب المكان في إشارة إلى الجن الذي يساعد “الشريفة” في قضاء حوائج الناس ينزعجون من ضجيج الإنس..

 

حل المساء وغادرت الزبونات بيت “الشريفة”، أمرتني بالدخول عندها والجلوس أمامها، أخبرتني أنها اقتنعت بمردودية عملي، وأنني سأستمر معها إن انضبطت لتوجيهاتها وما تطلبه مني، وما علي الآن إلا حمل هذه القفة المملوءة بالسلاسل الحديدية والأقفال والسكاكين نحو محل تجاري “دروكري” بعدما دلتني على مكان تواجده، وأنه سيسلمني مبلغا ماليا وأوصتني بالحرص عليه حتى لا يضيع مني..

 

حملت القفة على كتفي، سرت اخترق الأزقة والدروب الضيقة للمدينة العتيقة في إتجاه محل “الدروكري” أتوقف بين الفينة والأخرى لكي أرتاح بالنظر إلى الوزن الثقيل للقفة.. وصلت إلى المحل حييت صاحبه ناولته القفة أخبرته أنها “للشريفة” قام بعد ما بداخلها من سلاسل وأقفال؛ فتح دولابا صغيرا، أخرج أوراقا نقدية وضعها في ظرف أصفر أغلقها بإحكام بريقه، وضع خاتما عليه، ناولني القفة، أخذت الظرف وضعته تحت ملابسي ربطته على بطني بمنديل أخضر كان يخفي ما بالقفة، خوفا من ضياعه عملا بنصيحة “الشريفة”..

 

عدت إلى البيت ناولتها الظرف، فتحته استدارت وشرعت في عد المبلغ، لأنها لم تكن ترغب في أن أعرف المبالغ المالية التي كانت تجنيها من السلاسل الحديدية والأقفال “ناولتني مبلغ 100 درهم مقابل عملي خلال أسبوع.. طرت فرحا، وشعرت بأنني أغنى طفل في العالم، كنت أول مرة أن أحصل على مبلغ 100 درهم دفعة واحدة في حياتي..

 

وقبل أن أهم بمغادرة بيت” الشريفة”، طلبت مني أن أعود صبيحة الجمعة رغم أنه يوم راحة بالنسبة لي، لأساعد الخادمة “زهرة” في إخراج الزرابي إلى فناء الرياض الواسع لنفضها من الغبار، لبيت طلبها على الفور، وخاصة أنها ستكون فرصة مواتية للتعرف أكثر على ما تحمله الخادمة في كيانها من معاناة وهموم سبق لها وأن لمحت بذلك، دون أن تغوص في التفاصيل..

 

ولحسن حظي أن المقابلة التي كنت ألعبها مع فريق الخضارين كانت مبرمجة خلال الفترة الزوالية وأن الملعب الذي يحتضنها غير بعيد عن بيت “الشريفة”.
يتبع

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *