مكانة الطلب الداخلي ودعم المواطن في قانون المالية التعديلي؟

كتب في 20 يونيو 2020 - 10:48 ص
مشاركة

 

لا ينكر جاحد لا على الصعيد الدولي، أو الوطني اهمية التدابير التي اتخذتها الدولة المغربية بقيادة الملك محمد السادس نصره الله منذ ظهور وباء كوفيد 19 بالصين وبعد اكتشاف اول حالة إيجابة بالمغرب بداية مارس ليومنا هذا. تدابير استباقية وقائية منها وعلاجية مرفوقة بمصاحبة اجتماعية (دعم مباشر للأسر التي فقدت شغلها ومصدر عيشها) واقتصادية (ضمانات وقروض بنكية تفضيلية…) رفعت اسهم المغرب لا على المستوى الداخلي بإشادة المغاربة جميعا بما حققها بلدنا،ولا على الصعيد الدولي وخاصة الافريقي بعد قرار جلالة الملك حفظه الله دعم الدول الإفريقية المتضررة من الجائحة بمساعدات طبية وإنسانية. قرار ملكي جعل الخبراء يقارنون سياسة المغرب التضامنية (مع دول الجنوب) مع سياسة الاتحاد الأوربي كمجموعة اقتصادية كبرى الذي اظهرت دولها الأعضاء أنانية في تدبير أزمة الكوفيد19 ،رغم صعوبة المقارنة.

يحق لنا ان افتخر اليوم بقدرتنا على تدبير الأزمات رغم محدودية الإمكانيات بفضل تفهم المواطنات والمواطنين وتجاوبهم التلقائي مع المبادرات الحكومية، التي مكنت بعضها بالمقابل، من ضمان هذا الحس المواطن بفضل الدعم المباشر للأسر التي فقدت مصدر رزقها خلال فترة الحجر الصحي. ولكن ماذا عن المستقبل؟ هل هذه المبادرات المتخذة مؤشر عن جودة العيش الكريم والمستدام وعن متانة الاقتصاد الوطني؟

أولويات الاقلاع الاقتصادي والاجتماعي

مستقبل المغرب هو بناء جماعي لمغرب لا أقول دون تفاوتات مجالية ودون فوارق اجتماعية ولكن مغرب ضامن للعدالة المجالية والاجتماعية Equité sociale et Territoriale
واقتصاد قوي بأولويات واضحة تستمد قوته ومرجعيته من المؤهلات التنافسية للمغرب. اليوم يتميز المغرب بتوجهه الطاقي وتخصصه في الطاقات النظيفة والمتجددة. توجه يجب تكريسه لتخفيف العبء على الفاتورة الطاقية (استيراد النفط) التي تساهم في عجز الميزان التجاري. المطلوب اليوم ليس فقط تحقيق الاكتفاء الطاقي وطنيا بل كذلك إنعاش الاقتصاد الاخضر لأنه مكون اساسي للتنمية المستدامة بأبعادها الثلاثة: الاقتصادية (خلق الثروة وعم الناتج الداخلي) والاجتماعية (توفير فرص الشغل) والبيئية (التقليص من انبعاث الغازات وضمان بيئة سليمة للأجيال الحالية والمستقبلية).

وأظهرت جائحة كوفيد 19 أهمية الاقتصاد الرقمي وأن المغرب مشتل خصب للاستثمارات في هذا المجال. يكفي استحضار ملايين أو بالأحرى ملايير الدراهم التي وفرتها الادارات والمؤسسات العمومية وحتى الشركات الخاصة خلال فترة الحجر الصحي بفضل العمل عن بعد والذي مكن من تقليص نفقات المحروقات ومنح التنقلات (frais de déplacement réel). وهو توجه يجب دعمه مستقبلا خاصة مع تنزيل ميثاق اللاتمركز الاداري لتقليص نفقات الدولة من جهة وضمان نجاعة التدخلات الادارية وتفادي الاجتماعات المتعددة العقيمة. اليوم تجربة تدبير ملفات رخص البناء والمشاريع الاستثمارية ودراسات التأثيرات على البيئةPlateformes Invest et Rokhas) ) نماذج وتجارب فتية ولكنها ذات نجاعة وفعالية يجب تعميمها. فدعم هذا التوجه كفيل بخلق فرص شغل كبيرة جدا للشباب في المجال الرقمي وهو ما قصدنا به الاقتصاد الرقمي وخاصة مع الامكانيات المتاحة لهم من خلال البرنامج المندمج لتمويل المقاولات.

لا معنى لإقلاع اقتصادي لا يستفيد منه المواطن المغربي

لا يمكن للفرص المتاحة اقتصاديا ومكامن قوة الاقتصاد المغربي أن تحجب عنا خلل وكذا محدودية السياسات العمومية المتبعة في قطاعات حيوية كالصحة والتعليم والشغل والتي يستدعي الأمر تجديدها في القريب العاجل وخاصة في صلب النموذج التنموي الجديد. ولا يمكن أن نتصور مستقبلا أن الثروة المنتجة لا يستفيد منها المواطن المغربي. فالمغرب سبق له وأن حقق نتائج اقتصادية إيجابية مع تنزيل مجموعة من السياسات القطاعية في المجالات المنتجة ولكن المواطن لم يشعر بها لأنه لم يستهدفه بما يكفي وهو ما يفسر محدودية النموذج التنموي السابق الذي بلغ مداه والمغرب بصدد تجديده.

لحد الساعة التدابير الإجرائية للجنة اليقظة المنبثقة عن الحكومة المغربية ركزت على إجراءات اقتصادية تدعم المقاولة عن طريق الضمان والقروض لدعم سيولتها ولكن الاجراءات تجاهلت المستهلك. إن الدعم الموجه لأزيد من 6 ملايين أسرة يخص الفئة المتضررة من الحجر والتي فقدت شغلها وهو دعم مؤقت سينتهي مع رفع الحجر والصعوبة وكل الصعوبات ستبدأ بعد رفع الحجر.

الجميع بالمغرب من فرقاء سياسيين واقتصاديين واجتماعيين ومسؤولين واعون بصعوبة الظرفية ويجمعون على أهمية استراتيجية الاقلاع الاقتصادي، ولكن لا يجب أن تقتصر فقط على الشركات لأن السوق مكون من منظومة متكاملة تضم على الاقل فاعلين أساسين ينعشان العرض والطلب وهما: المنتج (الشركات والمقاولات المهيكلة وغير المهيكلة) والمستهلك. هذا الأخير يعتبر اليوم السند الأساسي للاقتصاد الوطني لأنه مع صعوبة الصادرات المغربية في ولوج الأسواق الدولية وفي غياب الوافدين من السياح، يبقى الطلب الداخلي هو الفيصل لإنعاش الحركة الاقتصادية وضمان صيرورة الشركات المغربية واستدامة فرص الشغل بها.

وأي مقاربة وإستراتيجية للإقلاع الاقتصادي تتجاهل المستهلك والطلب الداخلي ستكون ناقصة الأركان وعلى الحكومة المغربية استحضار هذا المعطى في قانون المالية التعديلي من خلال رزنامة من التدابير الاجرائية الهادفة لدعم القدرة الشرائية للمغاربة ونقترح على سبيل الذكر لا الحصر:
– التخفيض من الضريبة على الدخل؛
– الرفع من الاجور رغم صعوبة المقترح على التوازنات المالية ولكن للأمر اثر إيجابي على الاقتصاد الوطني بهدف دعم الطلب والاستهلاك الداخلي؛
– تسقيف أسعار بعد المنتجات والخدمات لدعم السياحة الداخلية؛
– دعم الأسر الهشة باستهداف مباشر محدد في الزمن ووفق منظور تنموي (يمنح إمكانية الترقي الاجتماعي والاقتصادي) وليس إحساني.

جيل جديد من التفاوتات المجالية والفوارق الاجتماعية

نعم كنا جميعا بالمغرب نعي إمكانياتنا ومحدودية منظومتنا الصحية والتعليمية والاقتصادية، إلا ان جائحة كورونا مكنت من إبراز معالم جديدة للتفاوتات الاجتماعية والفوارق المجالية Nouveau profil des inégalités sociales .
لقد تبين للجميع بل اقتنع الكل خلال فترة الحجر الصحي بأهمية صبيب الانترنت كحاجة أولية بعد الحاجيات الأساسية للعيش الكريم كالماء والكهرباء. لم يعد الولوج للرقمنة ترفا فالأنترنيت من الكماليات بل الضروريات للقراءة والدراسة والتبضع وضمان حسن سير المرفق العام. لقد أثبتت تجربة التعليم عن بعد E-learning تفاوتات بين المجالات الترابية وبين قدرة المواطنات والمواطنين على الولوج لخدمة الانترنت لضمان التمدس لأبنائهم. وما تراجع وزارة التربية والتعليم عن امتحان التلاميذ في الدروس المقدمة عن بعد ضمانا لتكافؤ الفرص إلا دليل قاطع عما سلف ذكره.

اليوم أثبت لنا الجائحة أن معالم الفقر تغيرت ولم يعد الأخير يقتصر على من لا يتوفر ماليا على عتبة الفقر المحدد من طرف البنك الدولي في 2,5 دولار لليوم، بل الفقير اليوم هو من لا قدرة له على الاختيار أو ما سماه برنامج الأمم المتحدة في تقريره الأخير les capabilités أي قدرة الفرد وتمكنه من حرية الاختيار.

فأي مخطط متوسط وبعيد الأمد لا يجب أن يقتصر على تدابير للإقلاع الاقتصادي بمعزل عن الدعم الاقتصادي للأسر لهذا أكدنا على أهمية المرور من مخطط الانعاش الاقتصادي بدعم المقاولة لما هو إقلاع اقتصادي حقيقي له تداعيات اجتماعية إيجابية ومستدامة في انتظار تقديم تصور لجنة النموذج التنموي لمشروعها. والفرصة مواتية أمام الحكومة المغربية اليوم من خلال قانون المالية التعديلي لتجسيد الافكار لتدابير وفق منظور تشاركي وجماعي يستحضر مصلحة الوطن والمواطنين أولا وأخيرا.

سفيان بوشكور، دكتور باحث في الإقتصاد 

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *