سعدي يكتب..أربعينية إيدير: الغناء من أجل الحياة والهوية 

كتب في 13 يونيو 2020 - 12:30 م
مشاركة

 

بقلم محمد سعدي 

في كل أغنية إحساس وفي كل نغمة فكرة وفي كل كلمة قضية وفي كل قصة كفاح وتاريخ ، تتسرب أغانيه بجمالها وعذوبتها إلى أعماق الشعور لتزهر أملا وفرحا واعتزازا بالهوية وتشبثا بالحياة.  

لا يمكن لأي إنسان يمتلك حسا رهيفا وهو يستمع للإيقاعات الأمازيغية الهادئة والأحاسيس الدافئة لأروع أغانيه أفافا ينوفا، أسندو ( مخض الأم للحليب الرائب بيديها للحصول على الزبدة وهي تحمل رضيعا على ظهرها )، لموت (القلق الفلسفي والوجودي من الموت) ، أندا يلا ( أين هو؟ ) ( فلسفة الزواج والوفاء والحب لدى النساء الأمازيغيات ) ،أغريب ( Aghrib ) ( الهجرة والغربة) Muqlegh (تأمل الإغتراب الهوياتي والعودة للجذور ) ، Lefhama ( الحرية والكرامة) ، السفينة ( ssfina مع المغني الرائع علي عمران تتناول الإحساس بالتيه والغربة والضياع والفراغ وظاهرة الحراكة شباب قوارب الموت )، إلا وأن تفيض عينيك بالدمع السخي الدافئ وينشرح قلبك بالعواطف الإنسانية الرقيقة التي تنبعث لتطهر دواخلك وتزرع فيها قوة الروح والحنين الجارف للجذور ، للماضي، للأرض، لأشجان الماضي ،للمطر، للجبال والسفوح والأشجار وصوت العصافير ومياه الوديان ، إنه الالتحام الغريزي بالطبيعة وبالأم وبذكريات القرية والطفولة . لكن ينتفض فيك أيضا حاضر بئيس صارت فيه الأوطان جحيما يفر منها شباب وفتيان وكأنهم زهور تذبل وتحترق وحدها بعيدا بعيدا في شتاء الحرقة من فرط الحكرة والعسف اليومي الذي أدمنوه . 

نجح إيدير في نحت واستعادة أجواء الأفراح والأعراس والوشوم ولحظات السعادة وفلسفة حب الحياة وطقوس الاحتفال الجماعي لدى الأمازيغ واحتفائهم بالطبيعة وتمجيدها كأم تسهر على رعايتهم. إنها الطقوس الاحتفالية ل ” أُوُرَارْ” أو ” يَناير ” أو أمنزو ن تافسوت ( Amenzu n’tefsut ). إنها احتفالات وأعياد جني التين ، والزيتون والكرز وباقي المحاصيل الفلاحية و نهاية ثاويزا (Touiza) وما يرافقها من إزلان ( Izlan) و إشويقن (Ichewwiqen ) وتقاليد ” روزيعث” ( ثمشريط ) . إنها طريقة وفلسفة حياة تجسد رؤية وجودية كوسمولوجية تقوم على وحدة وجود وتناغم وتوازن بين الطبيعة والإنسان. وسجل أغاني إيدير تمنح الحياة للطبيعة وتحكي قصص عشق : الأرض، الجبال، الضباب، السماء، النجوم، الوديان، ، الثلج، الرياح، الألوان، شجرة الزيتون، الحجلة، الباز، الحمامة ، الثور، الأسد. والطبيعة لدى الأمازيغ هي ذاك الكل الحي وهي أصل الإنسان و جزء لصيق منها . وباحتفائه بالطبيعة فالإنسان الأمازيغي يجدد تواصله الروحي والجسدي مع بيئته الطبيعية ويقوي طاقاته الحيوية وينمي الروح الجماعية مع أهله. لهذا لا يمكن أن تستمع لأغاني ( Awah Awah ) ، (Zwit Rwit ) ، ( Azwaw) (ازواو سمندل اوراغ) ، ( Yelha wurar ) ، ( Mliyi ) ، (Isefra) ، (Tamacahut n tsekkurt ) دون أن تستشعر انبلاج زخات الحياة ونسمات الربيع التي تعبر بك نحو ضياء الشمس والنجوم والأزهار ، فترتفع زغاريد النساء الأمازيغيات وتتحرر الأجساد بخفة وتنفجر تلقائيا في رقصات جنونية للتحليق عاليا مبدعة لوحة فنية حية متحركة ولغة انتشاء وسعادة ترسمها الألوان الدافئة والحركات المتموجة للأقدام والأذرع والرؤوس والخصور وكأنها تعانق الحياة والفرح لأول مرة.  

غنى للحرية والكرامة والشرف ( الحرمة) ولم يهادن أبدا ، وكلماته القادمة من الأعماق نفذت كالسهام للقلوب ، أغاني إيدير ولدت من رحم الجبال الشامخة لآيث يني وجرجورة في القبائل ثمورث إذورار ( أرض الجبال) وجبال الأوراس الشماء ،إنها قادمة من عمق فضاء هوياتي قبائلي ،أمازيغي، جزائري، ومغاربي . وأبعد من هذا غنى إيدير للإنسانية ، تجاوزت ألحانه وكلماته كل الحدود والهويات والثقافات ، فكلنا في نهاية المطاف من هنا وهناك ونحمل في ذواتنا ينابيع متعددة تبحث عن الخلاص والحكمة وعن إنسانية الإنسان وعن جمال الفن الذي يمكن ينقذنا من قذارات العالم وتفاهاته.  

كان لإيدير اسلوبه الخاص في الغناء وكثيرا ما كان يضع فاصلا بين الأغاني ليمرر في كلمات صادقة تلقائية ومختصرة رسائل إنسانية موحية حول الهوية الأمازيغية ، الهجرة والإغتراب، الدفاع عن القيم الإنسانية ، عن الحرية والعدالة، وبالطبع كان يخصص حيزا مهما من كلماته للدفاع عن النساء وواجب استذكار تضحياتهن وكفاحهنن كأمهات صبورات ( أسندو) وكزوجات وفيات (أيندا يلا) وكبنات يَكدحن طوال النهار لِيُعِلن أسرهن ( أفافا ينوفا).ولم يفوت أي احتفال بدون أن يقدم لهن التقدير والعرفان والإحترام ، خصوصا حين يقدم أغنيتيه أسندو أو أندا يلا .  

تحية عميقة لأحرار الجزائر والقبائل وبالخصوص لأحرار أيث يني ( Aït Yenni ) ولقراهم البسيطة الساحرة في سفوح الجبال الشامخة لجرجورة بتيزي وزو ثمورث إذورار ( أرض الجبال)، وتحية خاصة لقرية تاوريرت ميمون التي منحتنا أنغاما خالدة تصدح بها حنجرة الفنان الراحل إيدير لكن منحتنا أيضا مولود معمري رائد الدراسات الأمازيغة و المثقف المهموم بهويته الأمازيغية ومفجر الربيع القبائلي ومنحتنا أيضا محمد أركون المفكر الذي حاول بعيون يقظة نقد العقل الديني وأنسنة الفكر الإسلامي ونفض الجمود عن التراث الإسلامي . 

في أربعينية رحيلك ، لترقد روحك في سلام وطمأنينة ، أنت جزء حي من الذاكرة الفنية لأمازيغ العالم ، كنت وستبقى مثالا للفنان الملتزم والوفي لرسالة الفن السامية والراقية ، كنت وفيا للأجداد وملهما للاحفاد ( أياون) ، تشبثت بروح هويتك الأمازيغية وورفعتها عاليا لتنتصر للحرية وللقيم الإنسانية النبيلة والكونية والتي لم ولن تنضب ينابيعها يوما في ثقافة الأمازيغ وحضارتهم وتاريخهم العريق.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *