من أجل ثورة خضراء بقلب النموذج التنموي الجديد ما بعد كوفيد 19

كتب في 4 يونيو 2020 - 10:06 م
مشاركة

د.هاجر بنار 

وزيرة شابة لدى حكومة الشباب الموازية مكلفة بالطاقة و المعادن و البيئة

أثر انتشار جائحة كورونا حول العالم على قدرة البلدان على الصمود. إن ارتفاع المخاطر الصحية والمخاطر المناخية وجهان لعملة واحدة بعد رفع الحجر الصحي واستئناف النشاط الاقتصادي حيث أن هناك نقطة تقاطع أساسية تتجسد في تأمين الأمن الغذائي و الطاقي من طرف المنظومة الاجتماعية والاقتصادية الوطنية. لقد أثار الانتشار السريع للوباء حالة من الهلع، والانطواء، وإغلاق الحدود، والتلويح بإمكانية العودة إلى الحمائية الوطنية التي تهدد تأمين هاته الامدادات. بصيغة مماثلة، ومن ناحية أخرى، فان نقصا في الموارد الأساسية التي تخص احتياجاتنا الأساسية كالغذاء أو الطاقة سمة من سمات التدهور البيئي. تسبب هذه المخاطر اضطرابات عبر القطاعات من حيث السياسات العامة وتتطلب تحديثًا أو حتى إعادة تعريف رؤيتنا لنموذج التنمية الجديد.

البيئة لا تقدر بثمن

تباطأ النشاط والنمو بشكل متواز خلال الأزمة الحالية وذلك في جميع ربوع العالم. على المستوى الوطني وبحسب صندوق النقد الدولي، فإن الناتج المحلي الإجمالي المغربي سينخفض ​​بنسبة 3.7٪ في 2020. ومع ذلك، فإن هذا الانخفاض في الناتج المحلي لا يمكن اعتباره مقياسا أو مؤشرا يحيلنا الى تقلص في الانبعاثات الملوثة، وعلى نفس المنوال فان ارتفاع الناتج الوطني الخام ليس له أي تأثير على تكثيف الأنشطة الخضراء الصديقة للبيئة. لكن ما هو مؤكد أن التلوث يكلف المغرب ما يعادل 33 ​​مليار درهم في السنة، أو 3.5٪ من الناتج المحلي الإجمالي، ثلثه متعلق بالهواء. بالإضافة إلى ذلك، يمثل التلوث الجوي ثامن عامل للوفيات في المملكة بحسب البنك الدولي.

لسوء الحظ، فإن نموذج التنمية الحالي لا يأخذ في الاعتبار قيمة البيئة أو تدهورها (Externalités négatives). لأنه على الرغم من وجود فوائد مالية في الانتقال إلى الاقتصاد “الأخضر”، إلا أن قيمتها النقدية لا تزال أقل حجما من المكاسب التي تحققها الصناعات أنماط الاستهلاك الملوثة والتي تتجاوز أرباحها السنوية بفرق حوالي 8 نقاط الفئة الأولى. من هنا نستنتج أن الكسب على المدى القصير ومنطق السوق يتغلبان على منهجية التعامل والرؤية البعيدة المدى التي تحث على الحفاظ على الطبيعة والتنوع البيولوجي ونوعية الحياة وصحة المواطنين.

إذا كانت تكلفة التدهور البيئي اليوم تبلغ 3.5٪ من الناتج الداخلي، فسوف تتفاقم هذه النسبة في القادم من السنين لا محالة مع تأثيرات وخيمة لا رجعة فيها على فضاء معيشتنا. بدلاً من تكبد هذه التكلفة الباهظة الثمن، وجب علينا استثمارها. لذلك ندعو، كحكومة شباب موازية، الى تخصيص نسبة 3.5٪ إضافية من الناتج المحلي الإجمالي الىٍ تطوير اليات التكيف والتقليص من حدة التغير المناخي (Adaptation et mitigation )بدل الانكباب فقط على مكافحة اثاره. هاته الخطة الاستباقية تحتاج الى تخصيص ما لا أقل عن 1٪ (من اجمالي ال3.5٪) للبحث العلمي و التكنولوجي في هذا المجال.

 

ثورة خضراء

نظرا للاتقائية بين الوضعين البيئي والصحي التي تميز السياق العالمي الحالي والتي تتمثل في ارتفاع خطر عدم تأمين الحاجيات الاولية للساكنة العالمية عامة والمغربية خاصة، ندعو الى احداث ثورة ايكولوجية التي أصبحت ضرورة حتمية. في هذا الصدد نتقدم بعدة توصيات تعزز رؤيتنا السالفة الذكر و ترتكز على تقوية قدرة بلادنا على الصمود و على استباق الازمات البيئية و كذا مخلفات الازمات الصحية :

1. تطوير صناعة الطاقات النظيفة والخالية من الكربون

من أجل الوصول إلى هدف 1.5 درجة مئوية المسطر عليه في اتفاقية باريس مع ضمان الاستقلالية الطاقية، من الضروري اعتماد استراتيجية شمولية للنجاعة الطاقية ترتكز على المباني خاصة منها الحديثة العهد والقطاعات الاقتصادية الأكثر تلويثًا مثل إنتاج الطاقة والزراعة والصناعة، والتي تمثل وحدها أكثر من ثلاثة أرباع انبعاثات ثاني أكسيد الكربون في المغرب – بنسب 28٪، 27٪ و21٪ على التوالي.

بعد ذلك، وبهدف توسع نطاق إنتاج الطاقة من مصادر خالية من الكربون والتحكم في جميع حلقات سلسلة القيمة (Chaîne de valeur)، تقوية ودعم إنتاج الألواح الشمسية (Panneaux solaires) وتوربينات الريحية (Turbines à éoliennes) على المستوى الوطني خاصة عند فئة الشباب المبتكر قصد الحصول على المزيد من الكهرباء بسعر منخفض وصناعة “أبطالاً للوطن”(Champions nationaux) يمكنون المغرب من كسب مقعد الريادة (Leader)ليس فقط بأفريقيا بل على المستوى العالمي خاصة بعد الخبرة التي راكمها كوادرنا ومهندسينا في هذا المجال. بالإضافة إلى ذلك، فان الزيادة في القدرة المركبة (Capacité installée) للطاقات النظيفة يحسن الاقتصاد الوطني من خلال تعزيز القدرة التنافسية للقطاعات الصناعية الأكثر استهلاكا للطاقة (مثل صناعة الحديد والنسيج، الخ) من خلال تخصيص حوافز مالية للإنتاج الذاتي للكهرباء الناجمة عن الطاقات المتجددة عبر التعريفات التشجيعية (Tarifs de rachat) على سبيل المثال.

الجزء الأخير من هذه الثلاثية ينبثق عن احدى أهم خصوصيات الطاقات المتجددة ألا وهي انقطاع التزويد أو الامداد بالطاقة، فالشمس لا تسطع دائما ولا الرياح تهب بشكل مستمر. في الواقع، يعتمد ادماج كميات متزايدة من الكهرباء النظيفة على طريقة انتقال متعددة الاتجاهات داخل شبكة نقل الكهرباء، تختلف عن تلك التي تميز الطاقة التقليدية (مثل الأحفوري والنووي، وما إلى ذلك) الاحادية الاتجاه. بالتالي يتطلب هذا التحول تحسين جودة شبكة توزيع ونقل الكهرباء وتزويد التراب الوطني بالشبكات الذكية (Smart grids).

2. الحفاظ على الموارد المائية

80٪ من موارد المياه المغربية ستختفي في غضون 25 سنة إذا لم يتم اتخاذ أي إجراء. الى حدود الساعة، تقدر هذه الموارد بـ 650 م3 / فرد/ سنة وستنخفض إلى أقل من 500 م3 في أفق 2030، مما يضع البلاد في حالة إجهاد مائي شديد. هذه الظاهرة أكثر وضوحا في سهل شتوكة أيت باها في منطقة سوس ماسة حيث يصل الإجهاد المائي إلى مستوى حرج.

أما على المستوى الزراعي، فإن غياب إطار تنظيمي لترشيد استخدام المياه الجوفية بنظام العداد الكهربائي وإدانة سوء استخدام الآبار ويسهم في ضخ المياه الجوفية بشكل مفرط وغير عقلاني. يمكن اقحام جدول بعض حصص الضخ المياه التي لا يجب تجاوزها وذلك كملحق أساسي للقانون مع تحديث النسب التي يضمها كل عامين ليصبح وسيلة فعالة للتحكم في الاستهلاك وترشيده. لهذا، نقترح تعديل القانون رقم 36-15 المتعلق بالمياه ليكون مبنياً على رؤية مستقبلية تأخذ بعين الاعتبار مدى توفر الموارد المائية كحجر الزاوية، إلى جانب تسريع أنشطة المجلس الأعلى للمياه ومنح مزيد من الصلاحيات لشرطة المياه الوطنية لضمان الامتثال لتطبيق القانون المذكور أعلاه.

وأخيرًا وليس باخرا، يمكن أن يساعد تسريع إنشاء محطات تحلية مياه البحر التي تحترم البيئة (مثل استخدام البعض منها للطاقات المتجددة، وعدم تصريف المياه المالحة(saumur) في المحيط، وما إلى ذلك) في تعويض -ولو أنه ليس بالمطلق- هذا النقص في الموارد المائية. على هذا النحو، سيكون تنفيذ المشاريع المنمية للهيدروجين هما للغاية.

3. التخطيط الترابي المستدام

يمثل التخطيط الترابي الوطني، من أصغر جماعة الى اكبرها، ركيزة أساسية لدمج معايير الاستدامة على مستوى المجتمع برمته. وفي هذا الصدد، ستؤدي الجهوية المتقدمة، التي تم استتبابها بشكل تدريجي منذ خمس سنوات الان، دورًا كبيرًا في نقل السياسات العمومية البيئية وتنزيلها على المستوى الترابي.

في الواقع وعلى سبيل المثال، فإن المدينة التي يعد من صلاحياتها تدير النقل وإدارة النفايات من المفروض أن تنشئ دوائر نقل عام تخدم بانتظام جميع الأحياء وخاصة الضواحي ووسط المدينة (الني يمثل مكان العمل عموما) من أجل الحد من استخدام السيارة.

في بعض المدن الملوثة للغاية كالدار البيضاء، يجب تطبيق رسوم حضرية يومية موجهة لسائقي السيارات فيكون بالتالي تحديدها من اختصاصات العمدة. فيما يتعلق بالنفايات، فإن المنتخبين وكذلك نائب رئيس المدينة المسؤول عن “النظافة” هم المسؤولون عن جمع النفايات وينبغي أن يشاركوا بشكل فعال في فرزها وتدويرها كي تستفيد المدينة من عائداتها وذلك عبر إنشاء شركات عمومية أو شبه عامة من شأنها أن تساعد القطاع الخاص في هذه المهمة. من الجدير بالذكر أنه يتم فرز وتدوير فقط 10٪ من النفايات في المغرب في حين تضاعف حجمها بين 2014 و2020 ليصل إلى 12 مليون طن.

4. حماية التنوع البيولوجي

من أجل إعادة الرسملة البيئية (ٌRecapitalisation environnementale) قصد ضمان رفاهية عيش الأجيال الحالية والمستقبلية، من المهم حماية أنواع الحيوانات المهددة بالانقراض مثل الصقر الأصلع والنسر أبو ذقن. اذ يوجد في المغرب أكثر من 600 صنف حيوان و1700 نبتة مهددين بالانقراض، وهو رقم مرتفع مقارنة بجيراننا بالبحر الابيض المتوسطي، مع مستوى توطن عام أكثر من 20٪ للنباتات الوعائية (Plantes vasculaires) و 11٪ للحياة البرية (Faune).

… إلى نموذج جديد للتنمية المستدامة

إن الثورة الخضراء في الفترة ما بعد القرن التاسع عشر ليست مفيدة للبيئة والاقتصاد المغربي فحسب، بل ستكون مصحوبة أيضًا بسلسلة من الآثار التبعية المباشرة والغير المباشرة على المستوى الاجتماعي، وعلى مستويات الابتكار والبحث والتطوير والحوكمة. في حقيقة الأمر، فان خلق وظيفة واحدة في قطاع الصناعة والطاقة يمكن من احداث أربع مناصب أخرى في قطاع الخدمات. زيادة على ذلك ستخول الثورة الخضراء تحسين نوعية حياة المواطنين لا سيما في البوادي والمناطق الريفية بشكل ملحوظ من خلال إدخال مضخات تعمل بالطاقة الشمسية، والكهرباء في المنازل والمدارس، وكذا تحسين إدارة المياه المستخدمة في الزراعة. مما سيؤدي لا محالة إلى استقلال غذائي وطاقي للمملكة وتحقيق للمساواة المجالية التي تعاني منها المناطق النائية. 

من جهة أخرى، يفيد الابتكار والبحث أيضًا العديد من القطاعات مثل الكيمياء غير الحرارية والهندسة العضوية والهندسة الحيوية بالإضافة إلى تقنيات الطاقة الخالية من الكربون مثل الهيدروجين أو الطاقات المتجددة. هذه الرؤية البيئية، التي نقترحها لنموذج الطاقات المتجددة اجمالا. ففي نهاية المطاف، ستكون الثورة الخضراء أخلاقية واجتماعية واقتصادية، شمولية ومتعددة القطاعات، تدعو إلى نموذج جديد ومستدام يمكن من وضع العنصر البشري في قلب السياسات العامة.

The following two tabs change content below.

شمس بوست

موقع مغربي شامل ومستقل، يتجدد على مدار الساعة

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *