يوميات في حضرة الشوافة -29-

كتب في 23 ماي 2020 - 5:58 م
مشاركة

بعد انتهاء الفرقة الحمدوشية من عزف أغنية “سيدي الجياف” حتى سقطت الفتاة “كنزة” أرضا وهي تردد كلمات غير مفهومة، عرق غزير يتصبب من جبينها، يمتزج بالدموع المنهمرة من مقلتيها، نهض مقدم الفرقة من مكانه وطلب من النساء اللواتي يحطن بها الابتعاد عنها، أمسكها من يديها ووضع رأسها في حجر إحدى الفتيات الأخريات، وشرع في ترديد بعض الكلمات المبهمة، فكل ما فهمت من كلامه أنه كان يستنجد بأحد ملوك الجن يدعى “الباشا حمو” قبل أن يأمر الفرقة بأن تعزف مقطع موسيقي خاص بملك الجن، بدأ جسد “كنزة” يرتعد بشدة ، تمسكت بيد المقدم نهضت من مكانها، ثم شرعت في “الجذبة” بهدوء في وضع يشبه الركوع تحرك رأسها نحو الأمام وتارة نحو الوراء، واضعة يديها وراء ظهرها.
صراخ امرأة ينبعث من زاوية بعيدة من فناء المنزل، التف الجميع إلى الوراء لمعرفة من تكون هذه المرأة ؟
التي لم تكن في واقع الحال سوى الفتاة “ليلى” التي يسكن جسدها جني، الفتاة التي أقيمت من أجلها هذه الليلة، فسح الحضور المجال أمام “ليلى” للاقتراب من مكان الفرقة الحمدوشية، لم تتوقف عن الصراخ رغم محاولة والدتها “حسناء” ثنيها عن ذلك، استمرت في “الجذبة” بشكل هستيري على إيقاع المقطع الغنائي “الباشا حمو” وهي تصرخ بأعلى صوتها وتنذب خذيها وتنتف شعر رأسها، كانت ليلى لا تساير الإيقاع الموسيقى للفرقة الحمدوشية ، ولو في حالة تغييره، ما يعني أنها مبتدئة وغير متمرسة على “الجذبة”، كل أنظار الحضور تتجه نحوها، تحول وجهها المستدير إلى بقعة حمراء جراء الدماء التي كانت تسيل منها بسبب النذوب التي أحدثتها بواسطة أظافرها، رغم المحاولات التي كانت تقوم بها والدتها لمنعها من ذلك، استمرت ليلى في “الجذبة” بشكل جنوني، بدأ العياء يدب في أعضاء الفرقة، الذين لم يعد بوسعهم التوقف إلا بإعادة عزف المقطع الغنائي لملك الجن “الباشا حمو” للمرة الثانية تحت إصرار وإلحاح “ليلى” التي لم ترغب في التوقف من “الجذبة” على إيقاع “الباشا حمو” أنهت الفرقة عزفها، سقطت” ليلى ” أرضا، لعاب أبيض يخرج من فمها شبيه برغوة الصابون، جسدها يرتعد بالكامل، جمعت رجليها حتى التصقتا بجبينها، أخرجت والدتها منديلا، جففت وجهها من الدماء التي كانت تسيل من وجهها، رشتها بقطرات من الماء البارد ، غابت” ليلى” عن الوجود، غطتها والدتها بقطعة ثوب أبيض، أخرج مقدم الفرقة غليونه، غرسه في محفظة جلدية مزركشة طويلة الحجم تسمى “المطوي” شرع في تدخين الكيف، طوى غليونه وضعه داخل غشاءه، ارتدى جلبابا أسود اللون، حمل بين يديه حقيبة صغيرة، طلب من “حسناء” أم “ليلى” إدخالها إلى غرفة فارغة من أجل طرد الجن الذي يسكن بجسدها ، طلب من الجميع لزوم أمكنتهم، والإلتزام بالهدوء التام لأن أهل المكان لا يحبون الضجيج، أمر مقدم الفرقة والد الفتاة الدخول معه إلى البيت لمساعدته لطرد الجن، تردد الوالد قليلا قبل أن يوافق، هدوء تام يخيم على المكان، وحده صراخ “ليلى” ينبعث من جديد وهذه المرة من غرفتها، صراخ ممزوج بكلام مبهم لمقدم الفرقة.
يتبع

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *