يوميات في حضرة الشوافة – 28-

كتب في 22 ماي 2020 - 10:06 م
مشاركة

امتزج دخان الكيف بدخان البخور داخل فناء المنزل، وامتزجت رائحة العطور برائحة الحنة والعرق، وتحول فناء المنزل إلى مزيج من الروائح يصعب على الأنف تصنيفها، بدأ العياء يدب في صفوف الحضور، توقفت الفرقة الحمدوشية عن العزف، شرعت أم” ليلى ” في توزيع كؤوس قهوة سوداء معطرة بالقرفة على الحاضرين لطرد النوم الذي بدأ يتسرب إلى جفونهم، الجميع ينتظراللحظات الحاسمة من الليلة، ظل إسم الفتاة “كنزة” يتردد على لسان مقدم الفرقة عند كل لحظة توقف، بالنظر لما كانت تجود به من مال على أعضاءها، كما عودتهم على ذلك في كل الليالي التي كانت تحضرها، ف” كنزة” وجه مألوف ومعروف عند الكثير من الفرق الحمدوشية بالمدينة.
شرع عازف الهجهوج في تسوية أوتاره، استعدادا لإسقاط العديد من النساء عشاق هذه الآلة الموسيقية أرضا، أو ما يصطلح عليه لدى أهل “الجذبة ب “الحال”، وما إن انطلقت الفرقة في عزف أغنية
“لالة “مليكة” حتى عم الصراخ والبكاء أيضا داخل فناء المنزل، النساء يرتمين داخل القاعة، يطلقن العنان لشعرهن وتحريكه في كل الاتجاهات، هناك من تفضل “الجذبة” جالسة على ركبتيها واضعة يديها وراء ظهرها، تعتمد فقط على حركات رأسها، وتزحف تارة نحو عازف الهجهوج وتضع أذنها بالقرب من أحباله رغبة منها في الإستماع بنغماته عن قرب قبل أن تتشتت هذه النغمات بفناء المنزل، فيما تفضلن أخريات الجذبة وقوفا، وهو الوضع الذي يسمح لهن باستعمال كافة أعضاء الجسم، ويستمر الحال على حاله حتى نهاية المقطع الموسيقي، هناك من تدخل في غيبوبة وترفض النهوض من الأرض حتى عزف مقطع موسيقي آخر، إذ لم يبق من خيار أمام أعضاء الفرقة سوى مسايرة هواها، وخاصة إن كانت المرأة المغمى عليها صاحبة جود وكرم.
أغنية “لالة مليكة” تمزج بين الفن الكناوي والحمدوشي، وتستقطب نساء كثيرات “للجذبة” وتخلق متاعب كبيرة لأعضاء الفرقة أثناء عملية العزف ، فويل لعازف أخل بميزان الإيقاع، فإنه لا محال سيجلب عليه غضب بعض النساء أثناء دخولهن في “الحال” ، إنتهت أغنية “لالة مليكة” وخلدت الفرقة لبعض من الراحة من أجل إسترجاع الأنفاس للدخول في نمط آخر من الموسيقى، كل الأنظار متجهة نحو الفتاة “كنزة” التي كانت ترتدي قفطانا ذي لون ذهبي، وتلف حول جبينها منديلا أحمر، وتحيط بها فتيات ونساء كثيرات تبدو “كنزة” أميرة الليلة بامتياز.
وما أن دخلت الفرقة في مقطع “سيدي الجياف” حتى اندفعت الفتاة “كنزة” نحو أعضاء الفرقة كثور هائج، فأول خطوة كانت تقوم بها “كنزة” قبل الدخول في “الجذبة” أنها تطلب “التسليم” من أهل المكان من خلال وضع كفيها على الأرض ثم تقبيلها وتطلب الدعاء من الحضور “ادعيوا معايا أخوتي” قبل أن تدخل في الإيقاع بكل ما تملك من قوة، حيث كانت تحرك رأسها وشعرها الطويل بشكل سريع يشبه إلى حد كبير المروحة الكهربائية التي يتم استعمالها لتلطيف الأجواء الحارة بالبيوت، وما أن يرتفع الإيقاع، حتى تزيل “كنزة” المنديل الملفوف حول جبينها، والفقه على عنقها وتشرع في خنق أنفاسها، قبل أن يتدخل بعض النسوة، ويمنعنها من ذلك، حيث يجدن صعوبة كبيرة في نزع المنديل من بين يديها بالنظر للقوة البدنية التي تتميز بها، إذ في أحيان عديدة يتم الاستعانة بشباب أقوياء لإزالة المنديل من عنقها ش “كنزة” ومنعها من شنق نفسها.
يتبع

The following two tabs change content below.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *