المغرب الضار بمصالحهم

كتب في 11 يوليوز 2019 - 12:00 م
مشاركة

لطالما تهكمت على الذين يؤمنون بالفعل الفردي والمبادرة الخاصة، الذين ينافحون عن عجز الحكومات عن استيعاب الأعداد المتزايدة من الشباب الذي يدخلون سوق الشغل كل عام، هؤلاء الذين يحاولون اقناعنا أن العيب متأصل فينا، في كسلنا ومحدودية ذكائنا وخوفنا من المحاولة، هؤلاء الذين يسردون لنا قصص الناجحين الذين اعتلوا القمم زاحفين من الصفر، الذين درسوا لوحدهم، وأسسوا أعمالهم لوحدهم، وأنجزوا وأخذوا معهم زملائهم في طريق النجاح.

كنت أقول ان هذا كله ممكن.. ومتاح جدا.. لكن في دولة تسمح لك به أولا، أما والحال لدينا غني عن المقال، فكل هذا التنظير لن يعدو أن يكون هراء فارغا، لأنهم هنا لا ينأون بأنفسهم عن تحمل مسؤولياتهم تجاه تكوينك ومنحك حقك الأصيل في التعليم والشغل واستيعاب طموحك فقط، بل لا يتوانون عن محاربتك إذا ما حاولت أن تحفر طريقك الخاص، حتى عندهم تعاملهم على أنهم غير مسؤولون اتجاهك بل غير موجودون أساسا لا تأمن متاريسهم وعراقيلهم التي يضعونها لتعجيزك وإيقافك.

أما النماذج التي استطاعت النفاذ من هذه الكماشة فهي استثناءات لاقت من الصدف والحظ ما لا يتوفر عادة للبقية، ولابد أن مسارها تضمن الكثير من محطات التنازل وإرشاء العقبات والتبادل غير البريء للخدمات.

مناسبة هذا الحديث هو المنع الذي واجهه 200 تلميذ وتلميذة من المتفوقين في امتحانات الباكالوريا المنحدرين من جهة درعة تافيلالت عندما كانوا يعتزمون التوجه نحو العاصمة للاستفادة من دورات إعدادية تتيح لهم إمكانيات أفضل للتنافس على ولوج المعاهد العليا ضمن برنامج المرافقة التربوية الذي تنظمه مؤسسة درعة تافيلالت للخبراء والباحثين، المنع الذي ابتدأ من لحظة تحركهم بدعوى غياب ترخيص النقل بواسطة حافلات النقل المدرسي، ثم تطور لاحقا لمنعهم من المبيت في مؤسسات عامة بعد تحدي القائمين لمشكل التنقل وايجاد بديل، مما يبين أن الغاية هي منع هؤلاء التلاميذ من حقهم الدستوري في التعليم.

التبريرات التي سيقت للتغطية على هذه الفضيحة كلها مردودة على أصحابها، لأن الحقيقة تبدو مرتبطة بالنتائج التي حققتها مبادرة المرافقة التربوية التي مكنت العديد من أبناء المغرب المنسي من ضمان مقاعدهم في المعاهد العليا، وإلا فلا سبب منطقي يبرر ترك العشرات من التلاميذ يبيتون في العراء ويضعون أمتعتهم على الرصيف سوى الترجمة الصريحة لمكانة الهامش لدى دوائر القرار. العاصمة لا تريد أن تستقبل هؤلاء متفوقين واعدين، هي تكتفي لاحقا باستقبالهم على نفس ذاك الرصيف كانسين له أو ماسحين لأحدية مرتاديه.

صدقا لا أجد جوابا على المنع الذي طال هؤلاء التلاميذ سوى خشيتهم، ومحاولة إبقاء الارتقاء الأكاديمي حكرا على النخبة الحريصة على امتيازاتها ومكانتها، وهو الأمر الذي يحاولون تمريره في قطاع الطب وبسببه يشهد البلد اليوم أزمة لا تعرف طريقها للانفراج.

رئيس مؤسسة درعة تافيلالت للخبراء والباحثين، السيد الطيب صديقي يجب أن يفكر جديا في حذو حذو زملائه من أمثال الدكتور زهير لهنا الذي أعلن قبل أيام إيقاف نشاطه بالمغرب في إعلان يأسى له القلب، وقبله الدكتور رشيد المناصفي الذي عاد ليشرك بلاده في خبراته قبل أن يقف على حقيقة كواليس إدارة الأمور في هذه الضيعة ويقرر هو أيضا الرحيل، وكثر أمثالهم، أما إذا منعه ارتباطه الوثيق بجدوره من المغادرة وأراد بحق أن يخدم أبناء تلك البقعة المنسية فعلى مؤسسته أن تحول نشاطها نحو تدبير خروج هؤلاء المتفوقين للخارج.

اباؤنا الكرام الذين طالما رددوا على مسامعنا أن لا خلاص لنا من البؤس ولا ناقل لنا من الهامش ولا سبيل لنيل الاحترام في هذا البلد سوى التعلم، عليهم ان يعرفوا أنها معركة تتجاوز فيها المعيقات الظروف الاجتماعية والتحديات الدراسية، إنها حرب ضد منظومة ترى فينا خطرا على مصالحها وامتيازاتها وتريد أن تبقى هذه القطاعات حكرا على أبنائها، وترى متفوقي الهوامش خطرا ضارا بمصالحها، كأننا بهم يصيحون كما صاح زملائهم في بلد عربي لا شيء فيهم يدعو للاقتداء: ابن الزبال لا يصلح أن يكون قاضيا، ابن الزبال ليس له إلا أن يصير زبالا.

The following two tabs change content below.

فاطمة الزهراء عامر

كاتبة رأي

أحدث مقالات فاطمة الزهراء عامر (المزيد)

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *