باحثون من وجدة في إكتشاف مهم .. أحافير ثديات جديدة تكشف أسرار نشوء الصحراء الكبرى

كتب في 13 يناير 2022 - 4:33 م
مشاركة

قبل أن تصبح صحراء قاحلة شاسعة كما هو عليه الأمر في زماننا هذا، كانت الصحراء الكبرى في القدم عبارة عن أرض واسعة مغطاة بالنبات الأخضر، وبها العديد من الغابات والأنهار، وكذلك كانت موطن استيطان للعديد من الحيوانات البرية والنهرية والبحرية.

هذا ما تم اكتشافه نتيجة الأحافير والرسومات والنقوش التي عثر عليها الباحثون في عدة مناطق منها جهة شرق المغرب.

و كشفت الحفريات الاثرية الاخيرة التي يقوم بها مجموعة من أساتذة كلية العلوم التابعة لجامعة محمد الاول بوجدة، بشراكة مع باحثين إسبان من المعهد الكتالوني لعلم البيئة القديمة والتطور الاجتماعي بتراغونا (IPHES) والمتحف الوطني للعلوم الطبيعية بمدريد (MNCN) في إطار مشروع بحث تعاون علمي مشترك، أن جهة شرق المغرب  تعتبر من أغنى المناطق من حيث وفرة وتنوع الثديات الأحفورية  المنتمية للزمن الجيولوجي الرباعي، و يوجد فيها مزيج رائع من الأصناف.

هذا التنوع الصنفي يعكس مدى وفرة الغطاء النباتي وكثافته في حوض عين بني مطهر- كافايت القديم (bassin plio-pléistocène de Ain Béni Mathar/Guefait)، لسد حاجيات تلك الثديات الضخمة التي تستهلك كمية وافرة لضمان المعيش واستمراريتها.

عدة نتائج ذات قيمة علمية عالمية نشرت في مجلات مرموقة من بينها دراسة حديثة (نُشرت يوم 16 دجنبر 2021 *في مجلة Historical Biology)، تستند إلى أحافير عدة منها  الثور البري الجبلي البدائي (Bos primigenius) العملاق الذي يفوق علوه المترين حسب قياسات بقايا العظام المكتشفة.

ووحيد القرن الأبيض (Ceratotherium simum)، التي تم اكتشافها مؤخرا في احد الطبقات الجيولوجية لوادي الحي (Oued el Haï)  بعين بني مطهر باقليم جرادة، والتي سمحت لفريق من باحثين من كلية العلوم  بجامعة محمد الأول وإسبان، من تقديم تفاصيل عن ظهور الصحراء ومعرفة كيفية تطور المناخ وتحسين النماذج التنبؤية modèles climatiques prédictifs)) في المنطقة المغاربية التي تنتمي الى المنطقة القطبية الشمالية  (Ecozone paléarctique) وليس إلى المنطقة الأفريقية الاستوائية (Ecozone Afrotropicale)  عكس ما هو متوقع.

ولاحظ الباحثون تزايد عدد حيوانات المنطقة القطبية الشمالية في المناطق المغاربية الناتج عن انخفاض درجات الحرارة العالمية والعزلة التي تسببها الصحراء الكبرى. حسب الباحثين فقد بدأت هذه الصحراء، وهي الأكبر على هذا الكوكب، بالتشكل منذ ملايين السنين في عملية تخضع لتقلبات مناخية.

وذكر الباحثون أن الطبقات الجيولوجية التي اكتشفت فيها هذه الأحافير الحيوانية بوادي الحي بعين بني مطهر تقدر ما بين 57000 و 100000 سنة، مستنتجة بعد ظهور وانتشار أسلاف وحيد القرن الأبيض (Ceratotherium simum) والذي حل محل أقدم أنواع الكركدن (Ceratotherium mauritanicum) التي عثر على بقاياها في شمال إفريقيا، والذي حدث خلال فترة ما يعرف بالصحراء الخضراء، التي وفرت شروط العيش والاستقرار لهاته الساكنة من الفقريات وغيرها.

النتائج التي نشرها هذا الفريق الدولي، تساعد في إعادة بناء المناخ القديم للمنطقة وتزويدنا بمعلومات عن وقت حدوث عملية التصحر التي شكلت الصحراء.

عندما يتم اكتشاف الأحافير في مواقع مختلفة، يعيد علماء الأحافير بناء ما كانت عليه الحيوانات والنباتات في الماضي.

ولكن بالإضافة إلى معرفة أصناف الحيوانات التي كانت تعيش على الأرض منذ آلاف السنين، فبفضل تأريخ هذه الأحافير يمكننا أيضًا معرفة حالة البيئة المحيطة في وقت معين، لأنه كلما كان كائن حي يسكن منطقة معينة، لأنه في هذه الفترة تم استيفاء ظروف الرطوبة ودرجة الحرارة حتى يتمكن هذا النوع من البقاء على قيد الحياة.

وتتيح هذه الاكتشافات، حسب الباحثين، معرفة كيفية الظهور التدريجي للصحراء الكبرى الحالية، لأن ذلك لم يحدث في بين عشية وضحاها.

الاستمرار في العثور على الأحافير المقابلة لفترات مختلفة يسمح لنا أيضًا بإعادة بناء حالة المناخ في المنطقة وتحسين المعلومات لنمذجة المناخ المستقبلية، كما جاء في هذا البحث.

الصحراء منطقة حيث الحياة الآن غير ممكنة لمعظم الثدييات الكبيرة. تتيح لنا معرفة الأنواع التي سكنت الصحراء وفي أي وقت معرفة كيفية حدوث التصحر وكذلك الفترات الزمنية التي يمكن أن تعيش فيها الكائنات الحية المختلفة في تلك المنطقة وتهاجر إلى اماكن  اخرى، كما اشار احد الباحثين.

وسمحت للباحثين بعض أحافير العظام وجزء من جمجمة سلف وحيد القرن الأبيض الحالي، Ceratotherium simum، بتحديد التأريخ بدقة إلى حد ما الفترة التي احتلت هذه الأنواع موطنCeratotherium mauritanicum، والتي كانت أقدم وكانت أيضًا أقل قوة.

ومن المستغرب كيف انتقل C. simum من العيش في جنوب الصحراء إلى التوسع شمالًا واحتلال موطن وحيد القرن الأقدم من صنف C. mauritanicum في وقت تزايد تأثير حيوانات المنطقة القطبية الشمالية. 

وقد حدث هذا في واحدة من الفترتين ذات المناخ الأكثر رطوبة، ما بين 85000 و 80000 سنة أو ما بين 105000 و 100000 سنة مضت، وكان ذلك ممكنًا لأن منطقة الصحراء كانت بها غطاء  نباتي كافي خلال هذه الفترات حتى يتمكن C. simum من العيش هناك.

وتوسيع توزيعها في المنطقة المغاربية ؛ هذا ومعرفة كيفية تطور الحيوانات في شمال إفريقيا يساعدنا على تحسين ومعايرة النماذج المناخية للمنطقة بشكل أفضل يضيف الباحثون.

تجدر الاشارة إلى أن هذه الأبحاث الميدانية والاكتشافات الأحفورية، قد تمت بتمويل من ميزانية البحث العلمي لجامعة محمد الاول و كلية العلوم بوجدة وبتعاون مع الساكنة المحلية والمجتمع المدني. وجل هذه الاحافير تتواجد في المتحف الجامعي الكائن بكلية العلوم بوجدة.

 

المرجع

(*) : H. Aouraghe, J. van der Made, H. Haddoumi, J. Agustí,  A. Benito Calvo,  A. Rodríguez-Hidalgo, I.A. Lazagabaster, M. Souhir, H. Mhamdi, A El Atmani،, A. Ewague, R. Sala-Ramos, M.G Chacón. (2021). New materials of the white rhinoceros Ceratotherium simum and auerochs Bos primigenius from a Late Pleistocene terrace of the Oued el Haï (NE Morocco) – two elements of the Maghrebi Palearctic fauna. Historical Biology. DOI: https://doi.org/10.1080/08912963.2021.1995381

 

قراءة لاكتشافات حديثة في نفس المنطقة: 

في نفس السياق، اكتشف مؤخرا اساتذة باحثون من كلية العلوم بجامعة محمد الأول بوجدة وبشراكة مع أساتذة من جامعات إسبانية، أكثر من 3200 بقايا حيوانات متنوعة في حالة حفظ جد متميزة، منها : خيلة ذات ثلاثة اصابع  Hipparion وظباء وحيوانات لاحمة وفيل قديم Anancus وفرس النهر وغيرها…).

تم اكتشافها في موقع كافيت (4Guefaït- (  بإقليم جرادة ، عدة مقالات اخرى لثديات كانت تعيش بجهة الشرق في فترات ما قبل التاريخية ثم انقرضت.

وقد تم خلال هذه لاكتشافات أكثر من 3200 بقايا من الفقاريات في حالة حفظ ممتازة (البرمائيات والزواحف والثدييات الصغيرة والكبيرة، مثل الفيلة ووحيد القرن وأفراس النهر وغيرها، تم اكتشافها أيضًا. وكما هو معلوم فان لهذه الاحافير دور مهم في قراءة التاريخ الطبيعي للمنطقة. 

 

مكّاك بربري  Macaca 

المغرب الشرقي : تم مؤخرا العثور في موقع جيولوجي بكفايت4 (4Guefaït- ( التابع لإقليم جرادة  بشرق المغرب، على بقايا أحفورية جديدة لقردة المكاك يعود تاريخها إلى حوالي 2.5 مليون سنة، من قبل اساتذة باحثين وطلبة من كلية العلوم  بجامعة محمد الاول بوجدة وباحثين إسبان من تاراغونا. وقد تم نشر هذه الابحاث في مجلة التطور البشري  (Journal of Human Evolution)2021. المرجع اسفله**.

ساعدت هذه الاكتشافات على ملأ الفراغ في السجل الأحفوري لهذه الأنواع من القردة، حيث سلطت الضوء على أوجه التشابه الكبيرة بين القردة القديمة والأنواع الحالية في شمال إفريقيا. وكان لدى هذه الكائنات البالغة من العمر 2.5 مليون عام أوجه تشابه مع السلالات الإفريقية الحالية.

وبحسب الدراسة فإن هذه القردة تزن حوالي 12 كيلوغرامًا ويتوافق حجم وشكل أسنانها مع الأنواع الحالية في شمال إفريقيا، والمعروفة باسم المكاك البربري. وأوضح الباحثون أن الأسنان التي وجدت في كفايت تشبه السلالات الإفريقية الحالية أكثر من أسنان الأحافير الأوروبية.

قِردة المكّاك هي إحدى أنواع قردة العالم القديم التي تنتمي إلى الفصيلة الفرعية لـ “سيركوبيثيسيناي”. يعيش 23 نوعًا من قرود المكاك في جميع أنحاء آسيا وشمال إفريقيا وجبل طارق. وفي المغرب، تعتبر قرود المكاك من الأنواع المهددة بالانقراض، وتعيش بشكل رئيسي في سلاسل جبال الأطلس والريف.

يرجع تاريخها إلى ما بين 2.5 و0.2 مليون سنة. ويرجح أن هذه الأنواع كانت تعيش في إفريقيا منذ 5 ملايين سنة.

المرجع

(**). D. M. Alba, A. Rodríguez-Hidalgo, H. Aouraghe , J. van der Made , A.   , H. Haddoumi , P. Saladie , A. Aissa, J. Marín , M. Farkouch, C. Lorenzo, S. Bengamra , E. Delson, M. G. Chacon, R. Sala-Ramos. (2021). New macaque fossil remains from Morocco. Journal of Human Evolution (JHE).

DOI: https://doi.org/10.1016/j.jhevol.2021.102951 0

 

سنور سيفي الانياب جديد Dinofelis  

 

اكتشاف لأول مرة عظام  أحفورية لنوع جديد من السنوريات ذات انياب السيف (Dinofelis)  بعد إجراء حفريات في موقع كافايت4 (4Guefaït- ( بالمغرب الشرقي من طرف اساتذة باحثين وطلبة من كلية العلوم بجامعة محمد الأول في بوجدة واساتذة باحثين من جامعات إسبانية. كان لهذه الاكتشافات الاولية اهتماما كبيرا حيث ساعدت على ملأ الفراغ في السجل الأحفوري لهذه الأنواع من السنوريات، حيث تعتبر كافايت 4 ثاني موقع في شمال افريقيا، بعد موقع اهل الغلام بالدار البيضاء، تكتشف فيه هذا النوع من الحيوانات اللاحمة.  

ويقول الخبراء ان السنوريات ذات الأنياب الحادة (السيفية) عاشت جنبا إلى جنب مع البشر الأوائل، وربما كانت بالنسبة لهم عدوا مخيفا. هذه السنوريات ذات انياب السيف كانت تعيش في شرق المغرب وقد تم نشر هذه الابحاث في مجلة العلم الرباعي Quaternary Science Reviews2021. المرجع اسفله***.

(***).J. Madurell-Malapeira, A. Rodríguez-Hidalgo, H. Aouraghe , H. Haddoumi , S. .B. Lucenti f , A. Oujaa, P. Saladie, S. Bengamra , J. Marín, M. Souhir, M.Farkouch, H.Mhamdi, A.Aissa, L. Werdelin j , M. G. Chacon, R. Sala-Ramos (2021). First small-sized Dinofelis: Evidence from the Plio-Pleistocene of North Africa. Quaternary Science Reviews, 265, 107028.  https://doi.org/10.1016/j.quascirev.2021.107028

The following two tabs change content below.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *