لماذا انهار حزب العدالة والتنمية انتخابيا؟

كتب في 9 شتنبر 2021 - 10:04 م
مشاركة

هناك عوامل كثيرة، أسهمت في هذه النتيجة المذلة 13 مقعدا، أعادت قادة الحزب إلى سنة 1997، حين فازوا ب 09 مقعدا، وكانوا متحمسين لتطبيق الشريعة في بعض المجالات، كالسياحة والاقتصاد..، كما كان يبشر بذلك بنكيران في حملته الانتخابية.
ما يهمني هو القراءة السياسية لهذا الانهيار في علاقة الحزب بالسلطة، ولا يمكن لي أن أتجاهل غضب المواطنين على الحزب، حينما رأوا بأم أعينهم، تناقضات قيادات الحزب، من بنكيران الذي ظل يقول للناس: غرغري أو لا تغرغري، واستفاد في الأخير من تقاعد مريح، إلى عبد العزيز الرباح، الذي ساورته روح الجرأة، وأجاب الصحافي الذي سأله عن إمكانية زيارته لإسرائيل، فأجاب: إذا أرسلتني الدولة فأنا سأكون مستعدا لذلك.
هناك غضب من مواطنين وكانوا ينتظرون فرصة للانتقام، من حزب كان يقول زعيمه في الحملة الانتخابية لما قبل 7 أكتوبر 2016: “صوتوا علينا وخلينا منا ليهم”، لكن حين صوت الناس على الحزب، وحطم رقما قياسيا في عدد المقاعد، تراجع الحزب عن وعده، وتواطأ مع باقي الأحزاب، لانقلاب عن إرادة المواطنين، والتزم بنكيران الصمت، وراح يجلس في صالون بيته مادا رجليه، مكتفيا بالكلام للتنفيس عن الغاضبين من ابناء حزبه، دون أن يقدم إجابة عملية لمن وعدهم في الانتخابات.
ولا يمكن أن اتجاهل طوفان المال، الذي أغرق السوق الانتخابي، فاشترى بالكثير والقليل بعض أصوات المواطنين، تحت عين السطة ومتابعتها لما يجري.
ولا يمكن أن نبعد التصدعات الداخلية للحزب، والطريقة التي اختار بها بنكيران التموقع في علاقته بحزب، الجميع يخضع للمؤسسات، لكنه هو له مؤسسته الخاصة بلغتها وأعرافها، وبياناتها التي تكتب على ورقة الزبدة. ولو فعل أحد المناضلين ما فعله بنكيران لتم طرده شر طردة، لكن الزعيم ومهندس الانتقال إلى حزب الخطيب، والذي طالما ردد “الحزب ديالي”، لا أحد يحاسبه لأسلوبه في تدبير علاقته بالتنظيم، دون أن يحترم القاعدة الشهيرة: “الرأي حر والقرار ملزم”.
كل هذا ينبغي إدراجه في التحليل، لكنني أرى، أن العامل المحوري في انهيار حزب العدالة والتنمية انتخابية، هو موقف السلطة من هذا الحزب، والذي فاجأها بتصرفات غريبة لم تعتدها منه مطلقا.
ينبغي أن نذكر، بأن قيادة الحزب، من جيل بنكيران والعثماني، كانوا يعتبرون الدولة طاغوتا، والملك طاغوتا، وإمارة المؤمنين طاغوتا، كانوا يكفرون بمؤسسات الدولة، لكن قاموا في مراجعات في أواسط الثمانينات، بقبولهم العمل من داخل المؤسسات، وإيمانهم بالملك وإمارة المؤمنين، واستعدادهم للمشاركة السياسية.
في بداية التسعينات من القرن الماضي، كان إشعاع ما سمي “بالصحوة الإسلامية”، يبسط أجنحته في كل ربوع الوطن العربي، وكل دولة اختارت منهجا في التعامل مع هذه الصحوة وشبابها. كان الملك الحسن الثاني رحمه الله ذكيا، نظم بداية من سنة 1990، جامعة سمينت بجامعة الصحوة الإسلامية، واستقبل فيها كل رموز الحركات الإسلامية في العالم، وحضرها بنكيران ومن معه. بالرجوع إلى كلمة بنكيران التي ألقاها في الجامعة الأولى، كان بنكيران ومن معه، يطالب بشيء واحد: حرية العمل، أن يسمحوا له بالعمل السياسي والدعوي. بادر إلى تأسيس حزب التجديد الوطني، فرفض، إلى أن تمت هندسة انخراط أعضاء من حركة الإصلاح والتجديد في حزب الحركة الشعبية الدستورية الديمقراطية الشعبية.
كانت السلطة تتعامل مع هذا الاختيار بتدرج، لاحتوائه داخل المؤسسات، ورعايته ومراقبته. شاركوا في الانتخابات، وتعاملت معهم السلطة بحذر، منحهم إدريس البصري 9 مقاعد في انتخابات 1997، واحتلوا المرتبة العاشرة، اجتهدوا أكثر، ومارسوا معارضة راديكالية دعوية، اخرجوا مليون مغربي إلى الشارع لرفض الخطة الوطنية لإدماج المراة في التنمية، فمنحتهم السلطة 42 مقعدا في انتخابات 2002، واحتلوا المرتبة الثالثة، وبعدها مباشرة وقع الانفجار الإرهابي 16 ماي 2003، فتم تهذيب جوع الحزب للسلطة، فطالب اليازغي بحله، وحمل العدالة والتنمية المسؤولية المعنوية لما وقع، وفي انتخابات 2007، احتل الحزب المرتبة الثانية، وكانت التحكم بارزا من قبل وزارة الداخلية، فمنحته 46 مقعدا.
إذن، طيلة هذه المدة، كان الحزب تحت السيطرة والمراقبة، ويقبل بالتنازلات، وتلميذ نجيب في الاستماع لتعليمات وزارة الداخلية.
جاء الربيع العربي، وجاء دستور 2011، اضطرت السلطة لتخفيف من التحكم في الانتخابات، لتؤكد للعالم أنها تقدم تجربة ديمقراطية نموذجية، وفي الآن نفسه تمتص غضب المحتجين في 20 فبراير. فمنحت السلطة البيجيدي 107 مقاعد محتلا المرتبة الأولى.
هنا سيقع تحول كبير في علاقة الحزب بالسلطة بقيادة بنكيران، ظهر بنكيران بغير الوجه الذي اعتادته السلطة منذ 1990، بنكيران الذي كان يتوسل الحرية، بنكيران الذي كان يضع يده على قلبه خوفا من حل الحزب، أصبح بنكيران رئيس حكومة ثائر بخطاباته، وإن كان عمليا يمرر مخططات الدولة، لكنه كان يخطط لكي لا يفقد شعبيته.
وجدت السلطة نفسها في مأزق، أخرجوا له شباط لإسقاط حكومته والتشويش عليه، صمد، ثم أدخلوا الأحرار للتشويش عليه، صمد. صعقت السلطة في 4 شتنبر 2015، بتلك المهرجانات الحاشدة غير المسبوقة، وكان بنكيران يركب فرسه مثل عنترة بن شداد، ويطلق الرصاص على التحكم، إلى حين انتخابات 7 أكتوبر 2016، والتي أظهرت غضب وزارة الداخلية، واتهم حصاد البيجيدي بالتشكيك في المؤسسات.
كانت السلطة تمني النفس، أنها ستنتهي من كابوس بنكيران الثرثار، الذي يطبق أجندة الدولة لكنه يحافظ على شعبيته ويفوز بالانتخابات، بخلطة خطابية عجيبة.
حين تستعرض السلطة مسار بنكيران من 1990 إلى 2016، ترى أن الرجل تغير كثيرا، وعينه على التغول الانتخابي. صبرت السلطة، وكانت تنتظر نهاية ولاية بنكيران من الحزب في يناير 2016، ماذا فعل الإخوان مددوا له سنة، ليكون رئيس الحكومة المقبل بعد 7 أكتوبر 2016.
جنت السلطة بهذا الاختيار، وكان الفوز ب 125 مقعدا مزلزلا، بالرغم من تحكم السلطة. هنا تم التخطيط للانتقام من بنكيران أولا، وإرجاء الانتقام من الحزب لاحقا. تم تدبير حيلة البلوكاج، 6 أشهر، فأجلست بنكيران في بيته، وقامت بتأديبه، لأنه تجاوز حدود المطلوب من الحزب السياسي في المغرب، لا وجود للزعماء في المغرب، هناك زعيم واحد: الملك محمد السادس.
بعد إزاحة بنكيران، تم القيام بعملية جراحية بارعة،اختيار سعد الدين رئيسا للحكومة، هذا الوضع سيفرض على تيار بنكيران، أن يخضع للقبول بالعثماني أمينا عاما، فتمت العملية بنجاح، وأرسلت السلطة رسالة لمناضلي الحزب لطمأنتهم في المجلس الوطني، الدولة لازالت في حاجة إليكم.
اختلى بنكيران في بيته، وبين الفينة والأخرى، أصبح يقلد افتاتي. كان يشوش على العثماني. وكانت خطة تدمير الحزب في انتخابات 8 شتنبر تطبخ على مهل. وكان الجميع يستبعد الانتقام. ولكن بالنظر إلى التاريخ، السلطة اكتشفت أن البيجيدي تغير، وزادت شهيته أكثر، فجاء ما يسمى القاسم الانتخابي، وكانت الفاجعة ليلة التاسع من شتنبر:
السلطة تمنح البجيدي المرتبة الثامنة ب13 مقعدا.
ضرب زلزل قيادة البيجيدي، ولا أحد منهم استطاع أن يفهم ما يجري، وهناك من فقد ذاكرته، لكن المخزن لا ينسى. قال لهم بلغة غير مباشرة:
أنا الذي منحتكم المرتبة العاشرة في 1997.
أنا الذي منحتكم المرتبة الثالثة في 2002.
أنا الذي منحتكم المرتبة الثانية في 2007.
أنا الذي منحتكم المرتبة الأولى في 2011، و2016.
ولانكم أصابكم الغرور، رفضتم أت تسيروا الحكومة لولاية واحدة، وزعيمكم راح “يتبورد” لتوسيع شعبيته.
أنا الآن، منحتكم المرتبة الثامنة في 2021.
ويتباع المخزن قائلا: إياكم أن تنسوا، إنني أنا من سمحت لكم بالدخول للمؤسسات، وقمت برعايتكم إلى أن اشتد عودكم. راجعوا أنفسكم في 10 سنوات المقبلة، ونلتقي في 2031 إن شاء.
هناك فئة داخل البيجيدي تفطنت لهذا التحول، منهم من تجرأ على قوله، وهناك من التزم الصمت، تدرك أن المغرب، تسوده الأعراف المخزنية، أما الديمقراطية، فهي مسألة شكلانية، وراحت تذكر بنكيران، وتقول له: إنك تنقلب على الأسلوب السياسي في التعامل مع السلط، بالإكثار من الحديث عن التحكم، والحزب منذ أن ولد والسلطة تتحكم فيه، فتمت مهاجمة هذه الفئة.
إن ما يعيشه البيجيدي في 8 شتنبر 2021، هو تأديب لاختيار داخل البيجيدي، ظهر مع بنكيران، الذي انقلب في علاقته مع السلطة. أما العثماني ومن معه، فهم مجرد حطب في معركة ساحقة، يتحمل وزرها الأكبر بنكيران ومداويخه، الضين يبدأون المعركة، وإذا ما جحظت عيون المخزن يفرون. بنكيران الذي يلوح هذه الأيام بالعودة إلى الحزب مجددا، ليشعل معركة، لكنه لا يستطيع استكمالها.
ولذلك هذه العلاقة المتوترة مع السلطة، نشط كل العوامل الأخرى في العملية الانتخابية برمتها، فتعاضدت جميع الإرادات وعصفت بالبيجيدي.

 

مصطفى بوكرن، كاتب صحفي

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *