خمسة مشاهد من مسيرة الرباط

كتب في 25 أبريل 2019 - 11:55 م
مشاركة

المشهد الأول: يصل والدا ناصر الزفزافي للمقهى حيث يتجمع الوافدون ليجددوا اللقاء ويشربوا قهوتهم الصباحية، يستقبلهما المتواجدون هناك بالأحضان والقبلات والسيلفيات، مرت دقائق طويلة قبل أن يتمكنا من الجلوس ليتناولا شيئا يقيم أودهم خلال الساعات الطويلة التي تنتظرهما اليوم، داخل ذاك المكان يخيم هواء ثقيل، زخم رهيب من مشاعر الترقب والتوقعات، عيون تستحي أن تنظر لعيون أخرى فاقتها في حجم المصاب، ضمائر تتساءل ما دوري أنا وسط هذه الأزمة الإنسانية المتعددة الأوجه؟ يجلس الزوجان الأشهر حاليا في المغرب في طاولتين منفصلتين، كل مع أترابه، فتهدأ جلبة المقهى قليلا. كنت أفكر وأنا جالسة في ركن أراقب شحن هاتفي كيف يرانا العاملون هنا؟ كيف يستعدون للآلاف من الوافدين على مدينتهم في مثل هذه الصباحات؟ هل نحن ذاك الضيف المزعج المتبرم من كل شيء والذي يريد أن يجد كل ما تعود عليه في مدشره العميق هنا؟ أم نحن ذاك الزبون الغض الذي يرفع رقم المبيعات في ساعات؟ أو نحن ذاك المواطن الذي يثير غبطتهم بالتفافه حول القضايا وتحمله للعنت في سبيلها؟ قطع تفكيري رجل شرطة بزيه الرسمي، ابتاع فطوره جاهزا وخرج بسرعة، لا أعرف لم نظرت إليه شزرا، بدا لي وجوده نشازا في ذلك المكان!

المشهد الثاني: كنت أهم بقطع الطريق بعد مشوار قصير عند بائع ورد سعيد.. راجلان معي على نفس خط السير، قال أحدهما للآخر وهما يتابعان مشهد تجمع الناس: الرباط أصبحت حصرا مدينة المظاهرات والمسيرات. جملة ظلت تزن رنينا غريبا في أذني، أعدت استحضارها عندما لاحظت أن حضور الأمن بشكله الرسمي باهت جدا، مقتصر في أغلبه على جنبات بناية البرلمان. ربط المدينة بتجسيد هذه الأشكال الاحتجاجية بصفة متكررة أصبح نمطا متوافقا عليه بين المحتجين والسلطة معا، بالتالي فقد عناصر مهمة جدا يحتاجها لزيادة زخمه، في المقابل بنى هذا النمط صورة وردية للعاصمة العتيدة التي تحتضن المتظاهرين وتسمح لهم بالاحتجاج بلا خوف ولا تضييق. آلاف الناس يخرجون محتجين على اعتقال سياسي لمحتجين آخرين خرجوا بنفس الطريقة، الفرق فقط أنهم لم يخرجوا في الرباط ربما! ظل هذا الحديث يملأ رأسي حتى جاءت كلمة والد ناصر الزفزافي في ختام المسيرة تدعو لتكرار حدث ذاك اليوم لكن بمدينة الحسيمة هذه المرة. مرحى.. هو وعي عام إذا للتمرد على النمط والتفكير خارج صندوق الرباط.

المشهد الثالث: السيدة القوية الصامدة بطلتي كما أسميها، سأراها للمرة الأولى مباشرة.. نجاة محجوبي والدة الطفل ضحية عملية الدهس إبان تفريق احتجاجات حراك جرادة. بدت لي صامدة ومستبشرة لا يفوتها تحية جميع من تقابلهم والتبسم في وجوههم، رغم أنني أزعم أن مأساتها هي الأفظع بين جميع الأمهات الحاضرات ذاك اليوم، فإن بكت الأمهات أحكام العشر والعشرين سنة وظروف الاحتجاز فنجاة قد حكم على طفلها بالمؤبد! مؤبد يقضيه رهينة لإعاقته وحزنه وصمته، الفتى اليافع تحول لكتلة تلتصق بسرير طبي بمصحة تقدم له الإيواء فقط، أما العلاج فمتوقف على قرار سياسي يوضح حجم العبث والاستهانة الذي يدار به هذا الملف، وإن كانت الأمهات محرومات من رؤية أبنائهن اللهم في زيارات متباعدة قصيرة، فإن حال نجاة وهي بصحبة ابنها ليل نهار تعاين انحساره وخفوته دون أن تملك له شيئا أسوأ وأوجع للقلب بلا شك.

المشهد الرابع: هنا كبار السن من الآباء والأمهات والصغار من الإخوة والأبناء. فكرت للحظة في الدور الذي تقوم به الأسرة في حياة المناضل، في الفرق الحقيقي الذي تشكله والذي بفضله تبرز قضية وتستأثر بالحيز الأكبر وتدفن قضايا أخرى ويبتلعها النسيان، في حراك الريف أغلب الأسماء التي نحفظها ونرددها ونعلن تضامننا معها هي تلك الأسماء التي لعب أهلها دورا متقدما في التعريف بها بغض النظر عن أهمية ومحورية دورها في الحراك، تذكرت بعض الشذرات من شهادات المعتقلين في سجن تزمامارت وكيف أن الضابط الوحيد الذي حظي بشروط اعتقال أفضل نسبيا مقارنة بزملائه كان بفضل جهود زوجته في التعريف بقضيته والترافع عنها، أتذكر أنها كانت أمريكية الأمر الذي ساعدها على ذلك في سنوات كان الكلام فيها جرما، هذا في الوقت الذي أقدمت فيه زوجات معتقلين آخرين على رفع دعاوي طلاق ربما تحت ضغط التهديد أو التخويف لا يهم، بيت القصيد أن حياة القضية أو موتها مرتبط بمن هم خارج السجن، هذا الأب والأخ وتلك الأم والزوجة الذين تحولوا لمحامين ومؤطرين للشارع لا يشبهون قطعا الأهل ممن يرجفون خيفة ويتوجهون باللوم لأبنائهم الذي جلبوا لأنفسهم ولأهلهم معهم هذا المصير! استنتجت: الأهل يشكلون فرقا حقيقيا في حياة أي مناضل، فرقا قد يعني الموت أو الحياة.

المشهد الخامس: نفس الأماكن بعد ساعات من انتهاء المسيرة، حركة المساءات النشيطة بالغادين والرائحين، لا شيء غير عادي، كأن لم تمر بهذه الشوارع قبل ساعات معاناة عظيمة، كأن لم تغمرها آلام وآمال ومشاعر متضاربة، كأن هذه الأرض لم تشهد دموعا وعويلا وحسرة على مصير شباب يدفع من عمره واتزانه وسلامته ثمن سوء تدبير المدبرين وفشل سياسات الساسة. يعود كل وضع لحاله، ليستقبل يوم الاثنين الذي يشبه في نمطيته مدينة الرباط.

The following two tabs change content below.

فاطمة الزهراء عامر

كاتبة رأي

أحدث مقالات فاطمة الزهراء عامر (المزيد)

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *