لماذا الدفاع عن القضية الفلسطينية فرض عين على كل محام و محامية ؟

كتب في 17 ماي 2021 - 12:30 م
مشاركة

د/ خالد الإدريسي
تشكل مهنة المحاماة أحد أهم الآليات التي تدافع عن حقوق و مصالح الأفراد و الجماعات انطلاقا من ممارسة مجموعة من المساطر ذات الطبيعة التقنية و القانونية أمام مختلف المحاكم المتنوعة و المتخصصة في مختلف درجات التقاضي ، و ذلك بهدف ضمان محاكمة عادلة لكل متخاصم يترتب عليها صدور حكم أو قرار عادل تكون فيه الحقيقية القانونية متطابقة تمام الانطباق مع الحقيقة الواقعية . لكن في حقيقة الأمر فإن مهنة المحاماة هي أكبر من مهنة عادية تقوم بأدوار ذات طبيعة تقنية و قانونية انطلاقا من ممارسة مساطر جامدة تراعى فيها الشكليات أكثر من مراعاتها لمضامين الحقيقة و العدل التي هي الغاية المثلى لكل نظام قضائي عادل يساهم فيه رجال و نساء الدفاع مساهمة فعالة و أساسية و جوهرية باعتبارهم شركاء في تصريف و إنتاج العدالة و ليس مجرد مساعدين في هذا النظام .

 

فهي رسالة إنسانية ذات أبعاد رمزية تسعى إلى إحقاق الحق و محاربة الظلم و ترسيخ الحريات و الحفاظ على حقوق الأقليات و تدعيم مبادئ الديموقراطية و حقوق الإنسان و دولة الحق و القانون و المساهمة في السلم و الأمن العالمي إما بطريقة قبلية وقائية أو بطريقة بعدية علاجية . و ربما هذا ما جعل جمعية هيئات المحامين بالمغرب تقترح في تعريفها للمحاماة من خلال مهامها و أدوارها أن يتم النص صراحة على ضرورة إضافة قيمة مهمة وأساسية إلى باقي أدوارها التقليدية وهي اعتبارها رسالة إنسانية ، حيث جاء مقترح مسودة المشروع كما يلي ” المحاماة مهنة حرة مستقلة و رسالة إنسانية تشارك في تحقيق العدالة و المحامون بهذا الاعتبار جزء من أسرة العدالة ” . و عبارة رسالة إنسانية رغم أنها لا توجد في التعريف الوارد في المادة الأولى من قانون المحاماة الجاري به العمل ، إلا أن هذا لا يمنع من القول أن جميع دول المعمور تعترف بكون المحاماة مهنة عالمية و رسالة إنسانية .

 

فهي عالمية انطلاقا من أن آليات الترافع و المساندة و المؤازرة لا تكون في القضايا المحلية فقط ، بل إن اختصاص مهنة المحاماة المكاني و النوعي عالمي و شامل يمكن ممارسته في جميع دول و مناطق العالم ، و هي رسالة إنسانية لأن محورها هو الإنسان من حيث هو إنسان من حيث ضمان جميع حقوقه وحرياته . وهذه الرسالة التي تعتبر ذات بعد وطني ودولي تفرض الاهتمام بالإنسان من حيث هو إنسان على مستوى المحلي و الدولي , بغض النظر عن الاختلافات الدينية والعرقية والإيديولوجية والاثنية , وبالتالي فالمحامي لا يقتصر مجال عمله على الجانب الحرفي والمهني بالمعنى الضيق من خلال القيام بالمساطر والإجراءات لدى المحاكم في إطار القضايا التي ينوب ويدافع فيها عن موكليه و مؤازريه ، ولكن عمله هو بالأساس ينبني على كونه يمارس رسالة إنسانية تفرض عليه أن يكون فاعلا حقوقيا وسياسيا ومناضلا من أجل ترسيخ قيم العدل والمساواة بين جميع الناس في جميع أنحاء العالم ، والدفاع عن القضايا الوطنية والدولية العادلة التي تشكل الجانب الرمزي والإنساني لمهنة المحاماة النبيلة . و عمل المحامي و المحامية في إطار هذه القيمة الكبرى من حيث أنها رسالة إنسانية لا يفترض أن يكون بناء على طلب بل يجب أن يكون الأمر تطوعيا و تلقائيا بناء على أن أي محام و محامية يعتبر الدفاع عن القضايا العادلة في جميع مناطق العالم فرض عين يجب القيام به بشكل شخصي , لان نبل و قدسية البذلة السوداء التي يتم ارتدائها تفرض أن يتمتع رجال و نساء الدفاع بهذا الحس الإنساني و بهذه القوة الرمزية . و لذلك نتمنى أن يستجيب مشروع قانون المحاماة المقبل لمقترح مسودة المشروع قانون الصادر عن جمعية هيئات المحامين بالمغرب من أجل إضافة دور جوهري من أهم ادوار مهنة المحاماة الذي يتعلق بكونها رسالة إنسانية .

و إذا كانت مهنة المحاماة هي رسالة إنسانية بحسب ما تم توضيحه أعلاه فكيف يمكن أن تقوم بهذا الدور على المستوى الوطني و العالمي دفاعا عن القضايا العادلة في جميع دول العالم ؟ و كيف يمكن أن ترسخ هذا المفهوم انطلاقا من الدفاع عن القضية الفلسطينية العادلة نصرة لها في مواجهة المحتل الإسرائيلي الصهيوني الغاشم ؟

يخطئ من يظن من زملائنا و زميلاتنا ممن يعتبر أن المحاماة مهنة المحاماة وجدت من اجل القيام بالمساطر الجامدة ذات الطابع التقني من اجل كسب القضايا و إرضاء الموكلين و الزبناء و الحصول على أتعاب تكون هي الهدف و الغاية من وراء امتهان هذه المهنة و من القيام بهذه المساطر ، لأن المحاماة أشرف و أكبر و أقدس و أنبل و أشمل و أعم من هذه المساطر التي أصبحت أمام تشعب القوانين و المساطر و تعدد مرافق العدالة هي محور و جوهر مهنة المحاماة , و بالتالي فان هذا المعطى ساهم بشكل كبير في تراجع الجانب الرمزي و الجوهري في مهنة المحاماة من حيث كونها رسالة ، وهو الدفاع عن حقوق الإنسان و الدفاع عن المظلومين في جميع ربوع العالم كيفما كانت ديانتهم و عرقهم و انتمائهم السياسي . فالمحامي و المحامية يجب أن لا يكون مجرد مهني و حرفي بسيط , بل يجب أن يكون فاعلا حقوقيا و سياسيا مواظبا و متحفزا من اجل الدفاع عن القيم الحقوقية الكبرى في المجتمع الدولي ، و أن يكون آلية رقابية قوية على المستوى الفردي و على المستوى الجماعي في مواجهة أي انتهاكات قد تمس حقوق الإنسان ، و هذا الالتزام مفروض عليه فرضا لكونه يلتحف البذلة السوداء و يتصف بصفة محام و ما أدراك ما صفة محام .

و لذلك فمن أجل قيام المنتسبين لمهنة المحاماة بهذا الدور النبيل و الإنساني فإنهم يجب أن ينخرطوا في الآليات النضالية لمواجهة الظلم و الطغيان على المستوى الوطني و الدولي بطريقة تطوعية و من دون انتظار أي تكليف من أي جهة و أيضا من دون انتظار أي مقابل مادي نظير هذا الدفاع ، لأن المقابل الرمزي و المعنوي الذي يحصل عليه المناضل في هذا المقام لا يقدر بأي مقابل مالي ، فهو الذي يعطي لرجال و نساء الدفاع المعني الحقيقي لانتمائهم لمهنة نبيلة و مقدسة تختلف عن جميع المهن الأخرى التي تقدم بدورها خدمات جليلة لكنها لا يمكن أن تصل بأي حال من الأحوال للأدوار الكبرى الحقوقية و النضالية و الإنسانية التي تقوم بها مهنة المحاماة .

 

و يمكن القول أن المحامين سواء في كانوا في إطار فردي أو مؤسساتي فان عليهم أن يختاروا جميع الطرق النضالية التي يمكن أن تساهم في تحسيس المجتمعات المحلية و المجتمع الدولي بحقيقة الخروقات و الانتهاكات الواقعة على كل فرد أو جماعة معينة سواء عن طريق التحسيس بمختلف الطرق و الوسائل النضالية المتعارف عليها , أو من خلال الدعم المباشر المادي و المعنوي و القانوني و المسطري لاسيما أمام المنظمات الدولية المتخصصة في هذا المجال و بالأخص أمام الأجهزة القضائية الدولية التي تراقب و تعاقب على الجرائم ضد الإنسانية التي يمكن أن تمارس ضد شعب معين أو أفراد معينين .

 

و تبقى القضية الفلسطينية من أهم القضايا التي تؤرق بال جميع الحقوقيين و المناضلين على المستوى العالمي و المحلي و من بينهم المحامين و المحاميات ، ذلك أن الكل يجمع على حقيقة بديهية و راسخة و هي أن ارض فلسطين تعرضت لاحتلال و اغتصاب الكيان الصهيوني الغاشم ، و أن هذا الأخير قام بالعديد من المجازر و المذابح في حق الأبرياء من الشعب الفلسطيني المجاهد ، كما قام باحتلال العديد من الأراضي الفلسطينية تحت قوة السلاح و أنشأ العديد من المستوطنات بطريقة غير مشروعة و تناقض ما تم الاتفاق عليه من اتفاقيات لحفظ السلام بين الطرفين و من ترسيخ لحل الدولتين . و لذلك فمادامت قضية فلسطين عادلة و مادام الشعب الفلسطيني تتعرض حقوقه و مصالحه للانتهاك نتيجة الأعمال الوحشية و الهمجية التي يقوم بها المحتل الإسرائيلي ، فإن كل محام و محامية في جميع دول و هيئات العالم تقع عليهم بشكل كبير مسؤولية الدفاع عن الشعب الفلسطيني و إنقاذ ما تبقى من أراضي فلسطينية و من أرواح لمواطنين و مواطنات يصارعون جبروت الاحتلال من دون سلاح ، و سلاحهم الوحيد هو عدالة قضيتهم و انتمائهم إلى تلك الأرض المقدسة منذ قرون خلت . لذلك فهو نداء لجميع الزملاء الزميلات في العالم و في بلدنا المغرب الحبيب الذي كان مناصرا للقضية الفلسطينية منذ زمن بعيد إلى درجة أنها أصبحت أولوية و ثابتا من ثوابت الدبلوماسية المغربية و سياسته الخارجية . إلى ضرورة التكتل و التضامن و الانخراط في إرساء مجموعة من الآليات و المواقف النضالية للتحسيس بعدالة القضية الفلسطينية و فضح الجرائم ضد الإنسانية التي يقوم بها المستعمر الإسرائيلي الظالم ، و حشد الدعم المادي و المعنوي لمساعدة المواطنين و المواطنات المنتمين لهذا البلد الأبي من اجل مواجهة ظلم و طغيان المحتل ، و لمًا لا تقديم شكايات و القيام بمساطر أمام القضاء الدولي المختص في هذه الانتهاكات من أجل متابعة المسؤولين السياسيين و العسكريين الاسرائليين باعتبارهم المسؤولين المباشرين عن هذه الانتهاكات الخطيرة ضد الإنسانية و ضد حقوق الإنسان . و على جميع رجال و نساء الدفاع تحمل مسؤوليتهم المهنية و الحقوقية و النضالية من أجل الدفاع عن القضية الفلسطينية سواء في إطار فردي أو جماعي مؤسساتي ، لأن الدفاع عن القضايا الحقوقية الدولية و الوطنية العادلة و لا سيما القضية الفلسطينية بحمولتها الرمزية و التاريخية هي فرض عين على كل محام و محامية يجب أن يقوم بها بشكل شخصي بكل التزام و مسؤولية انطلاقا من انه يشتغل في مهنة من أهم صفاتها أنها رسالة إنسانية .

 

و بالتالي فهذا الالتزام ليس فرض كفاية إذا قام به بعض الزملاء و الزميلات سقط على بقي الزميلات و الزملاء الآخرين ، لأنه من اللازم على جميع المؤسسات المهنية المحلية المتمثلة في هيئات المحامين السبعة عشر و أيضا جمعية هيئات المحامين بالمغرب أن تبادر بشكل مستعجل و آني من اجل تعبئة جميع الجمعيات العمومية لهيئات المحامين التي تشكل القاعدة المهنية و القوة العددية من اجل الانخراط في آليات و وسائط نضالية تساهم مساهمة فعالة و ايجابية في خدمة القضية الفلسطينية العادلة .

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *