نشطاء حراك الريف.. بين القضية المعلنة والخفية

كتب في 11 أبريل 2019 - 9:30 م
مشاركة

الرجوع للائحة الاتهامات الطويلة يُظهر أنها مجهود خيال خصب وحاقد، حيث يمكن بسهولة لأي متتبع اكتشاف القضية الحقيقية، القضية التي على إثرها تم توزيع أكثر من ثلاثة قرون على نشطاء حراك الريف السلمي. القضية التي شكلت تهديدا للسلطة دفعها لتغييب من اعتبرتهم وقود الحراك في السجون لسنين طويلة، وتوجيه رسائل مضمرة من خلالهم للبقية. صكوك الاتهام الحقيقية ضمت تهما لا تشكر خطرا إلا على الفاسدين والمتعيشين من فسادهم.

إقحام الدولة والوحدة والأمن كان للتغطية فقط ولحشو المحاضر، ولخداع أصحاب الفهم الضيق ممن تشكل القنوات الرسمية مصدرهم الوحيد للخبر، ولإيهام المتتبعين من الخارج ممن تغيب عنهم التفاصيل أن الأمر خطير حقا ويستوجب تدخلا حاسما.

القضية حتما لا تتعلق بتحقيق العدل. لا أبدا بل محور القضية الانتقام، وأيضا الخوف. الخوف من صوتكم المسموع وتأثيركم الهائل، فقد استطعتم وعلى مدار شهور قيادة الشارع وتأطيره بلا حاجة لصفة أو إطار، ودون أن تمتلكوا أقل الأدوات أو المقدرات. فقط بصدقكم وعدالة مطالبكم والتصاقكم بالناس وإجادتكم التعبير بلسانهم والحديث عن هموهم. وهذا أمر داع للخوف مبرر لقساوة الأحكام التي أردوا بها تغيبكم أطول مدة عن الشارع حتى ينساكم الناس وتتجاوزكم الأحداث.

القضية لا تتعلق بتهديد الوحدة الترابية أو الدعوة للانفصال، هذا كله محض هراء أسس له بلاغ التحالف الحكومي الذي لا ينعقد إلا على باطل يباركه الشيطان، بل القضية تتعلق بعمق ارتباطكم بهذه الأرض وصدق ولائكم لها، بغيرتكم على تاريخها وعزمكم تشكيل امتداد لرجالها الأشداء. باستحضار رموزها وتداول مقولاتها وإعادة إحياء أمجادها.

القضية لا تتعلق بالاستقواء بالخارج أو تلقي دعم أجنبي، بل تتعلق بوعيكم بأهمية حشد الدعم لملفكم، وبإجادتكم العزف على هذا الوتر المسموع، بانفتاحكم على جميع المبادرات الأمر الذي هدد صورتهم المفبركة في الخارج التي تتغذى على الأكاذيب المكررة والادعاءات الوقحة.

القضية لا تتعلق بمؤامرة تمس أمن الدولة، بل القضية تتعلق بمحاولة المس بمصالح المتعيشين من فساد أركان هذه الدولة، بفضح تورطهم على رؤوس الأشهاد.

القضية لا تتعلق بزعزعة ولاء المواطنين للدولة وللمؤسسات فالجميع يعلم أن المغاربة يرتدون عن الإيمان بهذه المؤسسات جماعات وأفراد، بل الأمر يتعلق باكتشاف مكمن قوتكم وبأنكم تمتلكون حق المساءلة والمحاسبة، وفضح احتلال المؤسسات وتسخيرها للقلة.

القضية أيضا لا تتعلق بعرقلة وتعطيل حرية العبادات كما ادعت المحاضر. بل بوعي يكاد يزعزع ما عملوا على ترسيخه لسنوات حصرت استخدام الخطاب الديني في الترويج أو التغطية، في الخضوع لمن يتحدث باسم الإله وعدم مناقشته، في تلقي ما تأتي به خطب الداخلية بآمين آمين، وهذا سلاح لطالما خدمهم وحسم الصراعات لصالحهم فما كانوا ليسمحوا بخسارته.

القضية لا تتعلق بالتحريض على التظاهر والعصيان أو التجمهر المسلح بل هي الخشية من تحول الأمر لظاهرة تغزو جميع الحواضر والهوامش المتماثلة في المعاناة.

القضية لا تتعلق بإهانة القوات العمومية أو ارتكاب العنف ضد رجالها، بل بحفاظكم رغم الاستفزازات على السلمية والتنظيم مما أعجزهم على اختراق صفوفكم وافتعال ما يسمح لهم بالتدخل ضدكم وفض احتجاجكم، ما يمنحهم مبررا أمام العالم لإنهاء حراككم الذي أصبح يقوى ويتسع مداه.

القضية لا تتعلق بأعمال تخريب أو نهب أو إضرام النار أو كسر أو تعييب مرافق المنفعة العامة فالجميع يعرف كيف يبدو اللصوص والمخربون بربطات أعناقهم وبدلاتهم المكوية بعناية.

الأمر كذلك لا يتعلق بالتخابر أيها الصحفي.. بل الأمر يتعلق بك شخصيا! بالنموذج الذي حاولت الترويج له والذي يتبنى هموم الشارع ويلتصق بالمواطن، الذي ينقل الحقيقة دون أن يخضعها أولا لإرادة السلطة ويخفي تشوهاتها بمستحضرات العهد الجديد، النموذج الذي يقطع مع الإعلام الذي يكذب الحقائق ويزور الشهادات ويملي التصريحات على ضيوفه، وفي أسوأ الحالات يتجاهل الأحداث كليا.

كل هذا التهويل كان تمهيدا لقسوة الأحكام التي ستصدر في حقكم، هذه تهم اختيرت لتسع العقوبات، هكذا جاء الأمر عكسيا، متوجسا من ثقافة الاحتجاج ومن خصوصية المنطقة ومؤكدا لغياب إرادة حل أزماتها وتأسيس تصالح حقيقي معها.

The following two tabs change content below.

فاطمة الزهراء عامر

كاتبة رأي

أحدث مقالات فاطمة الزهراء عامر (المزيد)

تعليقات الزوار ( 1 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *