حميد بلغيت يكتب: “المصالحة الاضطرارية” عن إنفراج الأزمة الخليجية

كتب في 8 يناير 2021 - 10:49 ص
مشاركة

ليس ربطا ميكانيكيا، ولكن ليس صدفة أن يشتعل فتيل الأزمة الخليجية مع مجيء ترامب وينطفئ بمغادرته البيت الأبيض. وهناك ما يعزز هذا الطرح. فكل ما يعتمل في الخليج والشرق الأوسط من تطورات تمتد من إيران إلى تركيا مرورا بكافة دول المنطقة، يؤكد أن هناك نزوح جماعي نحو العودة بالعلاقات في المنطقة إلى مربع الوضع القائم ما قبل دونالد ترامب. كيف ذلك؟

إعلان إيران الرفع من تخصيب اليورانيوم بمعدل 20%، لا يعني أبدا، وإيران عودتنا على ذلك، أنه هدف محسوب في منطق المصالح المدركة لإيران، إنه في الحقيقة مجرد رافعة لسقف التفاوض مع الإدارة الأمريكية القادمة. فعوض أن تكون قواعد التفاوض هو: ما الذي ستقدمه إيران كمقابل لعودة الولايات المتحدة الأمريكية إلى اتفاق لوزان النووي سنة 2015؟ خاصة بعد إعلان بايدن عن إمكانية العودة إلى الاتفاق، تعمل إيران على تغيير قواعد التفاوض، من خلال جعل موضوع مباحثات التسوية هو: ما الذي ستقدمه الولايات المتحدة لإيران كضمانات من أجل تخفيض معدل تخصيب اليورانيوم من 20% إلى 3.67% والإبقاء على منشأة فوردو كمركز للأبحاث النووية والتقنية وليس كموقع للتخصيب؟ وهي التزامات وارد في الاتفاق النووي الذي اعتبرته إدارة أوباما بالتاريخي.

وإلا، ما الذي دفع بإيران إلى الإقدام على هذه الخطوة في هذا السياق بالضبط، في الوقت الذي كان على إيران الإعلان عن هذه الخطوة بعد اغتيال سليماني كتصعيد وكرد فعل، أو مباشرة بعد إعلان ترامب الانسحاب من الاتفاق. هذا الأمر يعني أن هدف إيران القصووي أو على الأقل المرحلي هو الحفاظ على مكتسبات اتفاق 2015 دون تغيير ورفع الولايات المتحدة الأمريكية لعقوباتها الانفرادية التي أقدم عليها ترامب بعد الانسحاب من الاتفاق.

وأسلوب إيران الدبلوماسي والتفاوضي حول الملف النووي منذ سنة 2003 صار تكراريا وهو سياسة “الهجوم أحسن وسيلة للدفاع”، أو لنسميه دبلوماسية الابتزاز. وهو، على كل حال، أسلوب مقبول ومتواضع عليه في منطق السياسة الدولية.

لهذا، لا تنفصل المصالحة الخليجية عن كل ما يحيط بها من متغيرات، فالدول الخليجية أدركت، وإن بشكل متأخر، حقيقة مفادها أنها تحتاج في المرحلة إلى التفاوض كتكتل جماعي أكثر من تدبير العلاقات مع الولايات المتحدة والقوى الإقليمية في إطار ثنائي، وهي كذلك مستشعرة لحتمية التفاوض الأمريكي-الإيراني. ولهذا كان تفويض السعودية كمخاطب وناطق رسمي باسم دول مجلس التعاون الخليجي من العناوين الكبرى للقاء العلا.

كما أن إحراز موقع يصون مصالح الدول الخليجية في رقعة الشطرنج الجديدة يحتاج ليس فقط إلى رأب تصدع البيت الخليجي، وإنما أيضا إلى تضييق دائرة الخصوم والأعداء واكتساب حلفاء جدد أو على الأقل تحييد دور بعض القوى الإقليمية المؤثرة كتركيا أساسا. ولعل بعض تصريحات المغازلة تجاه تركيا من طرف إعلامين ومسؤولين في الإمارات يؤكد هذا التوجه. ففي تصريح لأنور قرقاش، وزير الخارجية لدولة الإمارات، قبل أيام، قلل من شأن الخلاف بين بلاده وتركيا، وقال إن أبوظبي هي الشريك التجاري الأول لأنقرة في الشرق الأوسط، وأضاف أنه يأمل أن تكف تركيا من توسيع دورها على حساب الدول العربية في المنطقة.

أما تهديدات نتانياهو لإيران بالضربة العسكرية، فلا تخرج عن منطق أن “التهديد بالحرب لا يعني اللجوء إليها”، فأحيانا يتحقق بالتهديد ما لا يتحقق بتنفيذه. فكل من إيران والولايات المتحدة الأمريكية وإسرائيل كذلك، إخوة أعداء، يسلكون شعبا متفرقة لتجمع بينهم بشكل موضوعي مصالح مشتركة في نهاية المطاف. ويتوقف تحقيق المصالح المشتركة لكافة هذه الأطراف على الإبقاء على منطقة الشرق الأوسط والخليج في حالة “لا سلم لكن بدون حرب”، أي حالة عدم الاستقرار المتحكم فيه، أي أنه بمنطق المصالح لن يقو أي طرف على تعديل قواعد “الاشتباك” لا في اتجاه تسوية أزمات المنطقة ولا في اتجاه الدفع بها إلى أتون الحرب، وإن وقفت أحيانا على حافة التوتر الشديد.

*حميد بلغيت

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *