إقصاء الحقائق

كتب في 30 ماي 2019 - 12:30 م
مشاركة

الكاتب الساخر الراحل جلال عامر لخص طريقة تدبير الأزمات في أوطاننا في جملته الشهيرة: في هذه الأيام إذا أردت أن تبرئ متهما شكل له محكمة وإذا أردت أن تخفى الحقيقة شكل لها لجنة!

فلا تطالبوا من فضلكم بلجنة تحقيق حول مقتل الشهيد عبد الله الحجيلي.. جميعنا نعرف كيف حدث الأمر، ونستطيع أن نتخيل كل تفاصيله المفجعة حتى وإن لم نكن بين الحاضرين تلك الليلة المشؤومة، جميعنا كنا شاهدين لمرة واحدة على الأقل على هستيريا العصا المخزنية وهي تضرب خبط عشواء، جميعنا يعرف كيف تقوم قيامة الساحات والشوارع وكيف يحشر أصحاب البذل الرسمية كأنهم في معركة ثأر قديم.. فما الحاجة لفتح تحقيق؟

لجان التحقيق ليست سوى كذبة تدعي توفر برلماننا على آليات لمتابعة ومراقبة العمل الحكومي ومساءلة أصحاب السلطة والقرار، وهي أيضا حل ذكي لحفظ الأزمة في درجة حرارة ما دون الغليان لأطول مدة ممكنة حتى يبلغها التجاوز والنسيان، وهي طريقة لإقصاء الحقائق لا تقصيها، وعليه فمن العبث انتظار خلاصات شافية تتضمنها تقارير هذه اللجان، ناهيك عن حقائق تترتب عنها مساءلات قضائية.

فهذه مثلا لجنة تقصي الحقائق حول مآل الاتفاقية الاجتماعية الموقعة بين وزارة الطاقة والمعادن وشركة مفاحم المغرب والمركزيات النقابية لسنة 1998، والبرنامج الاقتصادي المصاحب لها بمدينة جرادة، كلفت بمهمة التحقيق حول الأسباب الحقيقية وراء إغلاق الشركة التي كانت محور الحياة في المدينة وأيضا أسباب عدم تنفيذ الاتفاقية الموقعة ما أسفر عن وضع اجتماعي واقتصادي كارثي انتهى بانتفاضة الساكنة قبل عام ونصف، هذه اللجنة أنهت عمرها القانوني والتمديد المستحق لها دون أن تسلم تقريرها كما ينص على ذلك القانون التنظيمي، فتم حلها هكذا بكل بساطة.. بل بكل استخفاف وصفاقة.

فما معنى أن تنهي لجنة برلمانية عملها دون أن تخلص الى أجوبة حول القضية المكلفة بها؟ وما معنى أن يمر هذا مرور الكرام دون مطالبات بشرح وتوضيح الأسباب والمعيقات التي أوصلتها للباب المسدود؟ ولا تقديم تفسير مقنع للناس الذين كانوا ينتظرون النتائج التي اعتقدوا أنها ستسرد الحقيقة التي تتضمن صك براءتهم من اتهامات الداخلية.

طبعا لا معنى لكل هذا سوى التأكيد على هامشية هذه القضية وكل قضية بطلها وضحيتها المواطن، سوى استهانة بانتفاضة الناس طلبا للخبز والشغل، واستخفافا بكل الذين قضوا تحت أنقاض نفايات الفحم.

الآن ستعرف ساكنة جرادة أن مواجهتها الحقيقية كانت ضد عصابة راسخة الوجود طائلة اليد، لم يستطع تقرير لجنة برلمانية تضم ممثلي الأمة الإشارة لها بأصبع الاتهام أو بخطاب تحميل المسؤولية. نعم هذه هي صلاحيات المؤسسات المنتخبة.. صلاحيات تنحصر في الإنشاء والحل.

وهكذا نكون قد حرمنا بسبب هذا الاستهتار المدفوع بغلبة رؤوس الفساد من معرفة الحقيقة المؤجلة لأكثر من عشرين عاما بشأن الأسباب الحقيقية لإغلاق المنجم، والمسؤولين المباشرين عن عدم تنزيل البرنامج الاقتصادي، ومن مناقشة عمل اللجنة كما يقتضي القانون التنظيمي في جلسات عامة بالبرلمان يترتب عنها إنصاف القضية معنويا قبل التدخل لحل مظاهرها على الأرض.

إن حجم الخذلان الذي نتعرض له على اتساع رقعة الوطن يجعل التماهي مع هذا الوضع صعبا جدا، ورهينا بحدث كبير يشفي غليلا داخليا ورغبة متزايدة في رؤية بعض الكاذبين يعانون وينهارون، وإن كان الرهان معقودا على ذاكرة العوام فإن الوقت يعالج الآثار أو يجعلها مستساغة أكثر، ولكنه أبدا لا يعني تحولها لأمر عادي ومشروع..

لا يمكن أن نعقد الصلح هذه المرة على غرار ما حدث سابقا بناء على وعود فجة بضمانات هلامية.. عودتنا لا ترتبط بأمور تتحقق مستقبلا بل رهينة برجوع للخلف لتصفية بعض النقاط التي مازالت تخنق الحناجر وتشوش على الذاكرة، في هذا البلد لا نملك من الثقة ما يجعلنا نتطلع للقادم، بل لدينا من الخبرة ما يجعلنا نقف حيث نحن لنطالب بداية بتصحيح التجاوزات وعقاب أبطالها بما يضمن عدم تكرارها.

لهذا فلا يجب أن يفتح تحقيق جديد في قضية الأب الروحي لقضية التعليم إلا إذا أردنا بذلك قتله مرتين، فقد صار الأمر واضحا.. حاول وأنت تتظاهر أو تحتج أن تحافظ على حياتك فالتظاهر في المغرب يقتل المرء، ولجنة التحقيق حول موته تغتال ذكراه.

The following two tabs change content below.

فاطمة الزهراء عامر

كاتبة رأي

أحدث مقالات فاطمة الزهراء عامر (المزيد)

تعليقات الزوار ( 1 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *