من إغلاق الحدود إلى تصاعد التهديدات العسكرية..أي رهانات للتنمية في جهة الشرق ؟

كتب في 12 أكتوبر 2022 - 6:44 م
مشاركة

 

 

قبل الغلق الفعلي للحدود كانت جهة الشرق بأكملها من أكثر المناطق رواجا من حيث المعاملات التجارية مع الجارة الجزائر، حتى بعد سنوات من  غلق الحدود وفرض التأشيرة على الجزائريين الراغبين في دخول التراب الوطني استطاعت الكثير من أشكال التواصل والتنقل والتبادل الحفاظ على وجودها.

 

وحافظت مناطق كثيرة أيضا على امتداد الشريط الحدودي على نشاطها السابق بالاستمرار في امتهان التجارة ولو بأشكال اعتبرت مضرة في بعض الأحيان إلا أنها كانت في الواقع تدر الكثير من الموارد وتساهم في خلق العديد من مناصب الشغل وتساهم أيضا في إنعاش الدورة الاقتصادية في جهة عانت لسنوات من سوء تدبير للتنمية والفساد وقلة في الموارد وهشاشة في البنية التحتية، ناهيك عن العديد من الأشكال الأخرى التي ساهمت في عرقلة عجلة التنمية واضعاف  استقرار النسيج الاجتماعي للجهة ككل. 

 

 وإذ أن المتتبع للشأن العام للجهة الشرقية ككل ولمدينة وجدة بشكل خاص باعتبارها مركزا للجهة يلاحظ كما يبدو جليا للكل أن تأثيرات الغلق المستمر للحدود الذي بدأ منذ سنة 1994 كان لها بالغ الأثر على النشاطات الاقتصادية والتجارية داخل المدينة بشكل خاص وفي الجهة بشكل كلي. حيث أن القطاع السياحي مثلا سجل انهيارا منقطع النظير مقارنة مع بعض القطاعات الاخرى، و أن بعض من المشاريع المتعلقة بالإيواء والخدمات السياحية، أغلقت أبوابها بشكل نهائي في الوقت الذي تعاني فيه مشاريع أخرى ذات صلة مع القطاع في صمت. و في ظل غياب رؤية واضحة من شأنها تصحيح الأمور واعادة الاوضاع الى سابق عهدها، سوف يظل القطاع شاهدا أساسيا و معبرا حقيقيا عن السياقات التي مالت إليها الاوضاع ككل في الجهة الشرقية.

 

يعزى هذا التغير الكبير من الرواج إلى الركود الخانق إلى أسباب كثيرة من بينها أن الجهة ككل اعتمدت تاريخيا على التناغم والتفاعل مع محيطها عبر تشكيل دائرة نشاط اقتصادية وتجارية واجتماعية شبه مستقلة مع المدن الجزائرية القريبة من الحدود المغربية، وارتبطت بها ارتباطا كبيرا تجاوز حدود التبادل التجاري وصولا إلى المصاهرة والاندماج العائلي.

 

أي أن الجهة بالرغم من الحدود السياسية والسيادية والمشاكل السياسية بين البلدين استطاعت النجاة بنفسها في مراحل معينة انطلاقا خصوصياتها الجغرافية من الصدامات المباشرة والقطائع السياسية، عبر شق طريقها نحو التنمية وبناء اقتصاد محلي تكاملي مع الجهة المقابلة من الجزائر، والتي اتخذت مدنها نفس سياق واتجاه المدن المغربية المجاورة ليس فقط في الاعتماد على الذات وإنما أيضا اقتسمت  معها المشاكل والانحدار، حيث أنها تعاني بدورها حاليا نفس تبعات الغلق التام للحدود من تسعينات القرن الماضي إلى الغلق الكلي أنيا.

 

للأسف، هناك الكثير من المؤشرات التي تفي  برسالة واحدة وهي بأن الأمور لن تعود إلى نصابها في الوقت القريب ولن يتم فتح الحدود ولن تعود الأوضاع إلى حالها سابقا. بل ستتفاقم أكثر مما هي عليه اليوم، وهذا راجع طبعا للمشاكل السياسية والدبلوماسية المتفاقمة بين البلدين التي مؤخرا ووصلت إلى حد من التصعيد لم نرى مثله من مدة طويلة جدا، والتي زادت من إحكام التدابير الأمنية على الجانبين وعلى طول الشريط الحدودي.

 

إذ أن المشاكل العالقة بين البلدين والتي لم يتم حلها منذ عقود تراكمت بشكل سيء جدا، وقد تؤدي إلى ما لا يحمد عقباه، وهذا الذي لايتمناه أي أحد سواء كان جزائريا أو مغربيا نظرا لما قد يجره من أضرار وسلبيات كثيرة بعيدة المدى على الطرفين. ولكن ما لا يمكن تجنبه ولا مهرب منه حاليا حتى قبل “الانفجار المرتقب”،  هو الآثار الاقتصادية والاجتماعية الأولية  لهاته الأزمة السياسية والدبلوماسية، وانعكاساتها على مدن الجهة ككل حيث أنها مازالت تعاني من تفاقم مشاكل البطالة وقسم كبير اخر من المشاكل التي لا يتسع المكان لسردها كلها.

بسبب المشاكل الديبلوماسية العالقة بين البلدين وخاصة الوضع السياسي الداخلي بالغ الحساسية في الجزائر قامت هذه الاخيرة بتحويل الناحية العسكرية الثانية الشمالية الغربية المقابلة للجهة الشرقية بالمغرب وأيضا الناحية العسكرية الثالثة  الغربية الجنوبية المقابلة لجهة الراشيدية تافيلالت وصولا إلى الصحراء وعلى طول خط بآلاف الكيلومترات انطلاقا من وهران وصولا الى تندوف. الى شبه منطقة حرب وذلك بالرفع من الوجود العسكري وزيادة التعزيزات في الاعداد و العتاد وتكثيف المناورات الليلية والنهارية ومناورات بالذخيرة الحية والأسلحة المعقدة برا وبحرا. بل أكثر من ذلك قامت الجزائر مؤخرا بنشر منظومات صواريخ دفاعية واخرى هجومية  بعيدة المدى على طول الخط الذي يشمل الناحيتين العسكريتين قيد الحديث. 

 

إضافة إلى أحداث أخرى أثارت قلق المتتبعين للشأن الجزائري المغربي كطرد الفلاحين و المزايدات الاعلامية والاخبارية المباشرة وإشعال حرب معلوماتية  في الشبكات الاجتماعية… الخ، من المؤشرات التي تدل على نهج معين من الاعمال التصعيدية قد تمهد لأعمال كبيرة أو يمكن اعتبارها خدعة حرب لا أقل ولا أكثر وفق تقدير المعلومات المصنفة لأصحاب الاختصاص. 

وفي ذات السياق من التصعيد، قام المغرب بانشاء منطقة عسكرية جديدة شملت أغلب مناطق جهة الشرق بعدما كانت مقسمة في السابق إلى منطقتين فقط شمالية وجنوبية. وهو ما يمكن أن يحمل الكثير من القراءات والتأويلات ويفتح الكثير من الأبواب للدارسين والمتخصصين حول مسألة هذا التحول و الاتجاهات الجديدة في السياسة الدفاعية للمغرب وآفاقها. وإذ يناور المغرب حاليا بإعطاء دواع ومبررات خاصة كمحاربة الجريمة الدولية وتعزيز القدرات الدفاعية. إلا أنه بنهجه نفس سياسة الجارة الجزائرية عبر كثير من الأشكال في موازنة القوة واستباق أي تصادم غير متكافئ مستقبلا، يعطي رسائل غير مباشرة بأن الأمور بدأت تأخذ مسارا جديدا جديا ومثيرا للقلق.

بعيدا عن الانغماس في تحليل المؤشرات الميدانية ورجوعا إلى الفكرة الأساسية التي يبنى عليها مقالنا هذا، و بعيدا عن التشائم الغير مبرر. نرى أنه من الطبيعي أن يساهم احداث منطقة عسكرية جديدة في الشرق وزيادة الإنفاق العسكري في تحريك العجلة الاقتصادية، ومع ما يتبعها من دينامية وحركية بعض القطاعات الصغيرة والمتوسطة، إلا أننا بالمقابل نرى أنها ستضل محدودة وغير مجدية بالقدر المنتظر والمأمول منه إنقاذ الجهة الشرقية كاملة من شبح الجمود التنموي والركود عبر إحداث منطقة عسكرية.

 فمن جهة لا يمكن إنكار الايجابيات التي يحملها الإنفاق العسكري كمحرك اقتصادي في الأوساط والمناطق التي تفتقر الى البنى التحتية والارتباط العضوي بالمراكز الاقتصادية والتجارية للبلد، خاصة وأنها أثبتت جدواها في كثير من البلدان وعلى رأسها الولايات المتحدة، كيف أن الجيش الأمريكي ساهم في تنمية وإعمار مناطق كبيرة جدا من ولايات الوسط الأمريكي منتصف القرن الماضي، والتي كانت تفتقر إلى الكثير من المقومات مقارنة بالولايات التي كانت تعرف قفزة في الانتعاش الاقتصادي في الشرق والغرب. لكن بالرجوع إلى فكرتنا و باستحضار مساوئ هاته السياسة. نريد الاشارة إلى أن حجم المستفيدين في جهة الشرق رغم الحجم الكبير للميزانيات المرصودة لهاته الغاية إلا أنه ليس حلا شموليا بقدر ما هو موضعي ومرحلي فقط. 

 

أي أن المناطق المستفيدة نسبيا هي المناطق أو المدن التي تكتسي طابعا استراتيجيا وأهمية معينة عند عملية نشر وتوزيع الثكنات والتجمعات العسكرية، أو ستعرف تواجد قوات ذات أعداد هائلة أو ثكنات كبيرة وفقط في حين لن يحدث تواجد قوات تكتيكية أو فرق خفيفة ومحدودة أي تغيير يذكر. ما يجعل من حل الرهان على الإنفاق العسكري حلا غير كاف للمشاكل التي تتراكم يوما بعد يوم في جميع المجالات وعلى جميع الاصعدة.

اضافة لما سبق، إن الاعتماد الكلي على استراتيجية اقتصاد الصدمة والقطع نهائيا مع سياسة مساهمة الدولة في تخفيف العبء الاجتماعي والاقتصادي على المواطنين وتدعيم القطاعات الاساسية، زد على ذلك الإرث الذي يثقل كاهل المنطقة باعتبارها كانت مصنفة دائما ضمن خانة لم تحظى بالاهتمام الكبير من طرف السلطات المركزية وابعدتها عن الاستفادة من حقها كاملا من اوراش البناء الوطني خلال فترة الستينات والسبعينات. إضافة الى غياب برامج خاصة لمواكبة وتتبع وتجنب أثار الانقلاب المفاجئ في السياسة الاقتصادية للدولة وانعكاساتها على جهة الشرق خاصة.

 

 من الممكن القول أن هذا الوضع سوف يكون له أثار معينة على تماسك النسيج الاجتماعي والاقتصادي ككل كتكملة طبيعية لمسلسل الآثار السلبية الذي عانت منه الجهة من مدة طويلة والذي دفع شريحة كبيرة من الشباب آنذاك إما إلى الهجرة أو مزاولة انشطة تجارية محرمة قانونيا. 

 

لايمكننا كذلك إغفال الآثار التي تركتها الجائحة على اقتصاد الجهة والذي كانت لها ومازال اثار كبيرة على استقرار مناخ الأعمال بصفة عامة وانعكاسات أخرى سلبية كثيرة على الأعمال الصغيرة بصفة خاصة. إذ أن نسبة البطالة والركود التجاري والاقتصادي بلغت فعلا مقاييس كبيرة على المستوى الوطني ايضا بل والعالمي، إلا أن آثار الأزمة الصحية كانت كبيرة على الجهات الأكثر هشاشة ومن بينها جهة الشرق مقارنة مع جهات أخرى. حيث أنها مازالت تعاني من تبعات الأزمة الصحية العالمية وعدم القدرة على الخروج الآمن من تلك التبعات بدون انعكاسات سلبية. خاصة مع ضعف العرض التنموي وبدائل حقيقية من شأنها أن تشكل فارقا وقفزة في حياة المواطنين.

لا يمكن أيضا الرهان على الاستثمارات الأجنبية وحدها والتي قد يؤدي تفاقم الأوضاع والتصعيدات الديبلوماسية والعسكرية بين البلدين إلى التأثير عليها سلبيا، إذ أن توفير جو الاستثمار وتحسين مناخه يمر بالضرورة عبر ضمان الأمن واستتبابه على كافة مستوياته. وهو الشئ الذي تعطي التعزيزات العسكرية والعسكراتية المتواصلة لجهة الشرق انطباعا مغايرا عنه. وتوحي بأن الأمور على شفا حفرة من الانفجار، فكيف سنقنع مستثمرا بوضع أمواله فوق برميل من البارود ؟

 

وفي النهاية تبقى المبادرات غير كافية خاصة مع انعدام أثرها وانعكاسها إيجابا في حياة شرائح كبيرة من الأفراد والمواطنين بشكل مباشر. وهو ما يؤثر سلبا على سمعة ومكانة المغرب عموما ضمن مؤشرات التنمية البشرية عالميا ويجعله في وضع محرج ويعجل بطرح الكثير من التساؤلات حول جدوى الخطط المتبعة في التنمية. إذ إن ما تحتاجه الجهة هو نظرة استثنائية وسياسة استثنائية وتعامل استثنائي، فيجب أن تنبني الحلول على خصوصياتها الثقافية والاجتماعية والاقتصادية وأن نعطي لأنفسها هدفا محددا و أوليا هو معالجة مشاكلها وأعطالها مع الاستبعاد النسبي للمشاكل التي يتخبط فيها البلدين حاليا وعدم استحضارا في كل كبيرة وصغيرة حتى في الأماكن التي لن تجد هاته المشاكل التربة التي تريد أن تنمو فيها. بل على العكس من ذلك اتخاذ الجهة قاعدة للتقارب ونبذ الخلافات.

الطالب الباحث كزوط أمحمد

The following two tabs change content below.

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *