إيدير و دادّا مولود معمري: حرقة القدر الأمازيغي المشترك

كتب في 3 ماي 2021 - 1:37 م
مشاركة

بقلم محمد سعدي

قد نتوجعُ من دفء مضى ولن يعود ، قد نبكي بحرقة على أقدار كلمات ، أنغام ، أشعار (Isefra )، ،حكايات عجيبة (ثَمَاشَاهُوتسْ Tamacahut ) ، وشوم وألوان تلاشت في غفوة انكسار التشتت وعتمة صمت موحش وغزو جامح للنسيان. تحت ضغوط الحياة و ايقاعها السريع، فقدت الأرواح الكثير من دفئها وعبق انتمائها الراسخ للمكان وانسجامها مع الذات . لكن ضياء النجوم هي موجودة لتنزعنا من التمزق والتيهان وتنير لنا طريق المعرفة ولتذكرنا بمعنى أرواحنا : من نحن ؟ كيف نستلهم الجذور لنعرف من نكون وماذا نريد أن نكون ؟ .

سطع نجمهما من سفوح تاوريرت ميمون القرية المركزية لقرى عدة بدائرة أيث يني ( Ath Yenni ) بولاية تيزي وزو بالقبايل، لم يكن طريقهما وبيتهما يبعدان عن بعض إلا بكيلومترين .رغم فارق العمر بينهما ( حوالي ثلاثين سنة ) إلا أن قدرا مشتركا محفوفا بالأشواك جمع ووحد بينهما حول الوفاء للانتماء وفخر الاعتزاز بالهوية الأمازيغية والدفاع عنها باستماتة وبقوة جمال الكلمة والنغمة القادمتان من أعماق القبائل . ثامورث ن “ثاوريرت ميمون” ألهمتهما معا ورسمت قدرهما الشامخ الذي تناثر بين دشور “أيث يني” بتيزي وزو وأعالي جبال جرجورة فكانت الليالي مرصعة بالنجوم النابضة التي أضاءت سماء الأمازيغ ومنحتهم وعيا يقضا بذواتهم وتناغما في رؤيتهم للعالم وتفاعلهم مع محيطهم.

دادا مولود معمري هو أموسناو (Amusnaw) العارف الحكيم للأمازيغ، الكاتب والروائي ومؤسس الانتروبولوجيا الجزائرية ، له دور محوري حاسم في إحياء ،و بمنهجية متماسكة، الإرث الثقافي والأدبي والفني الأمازيغي من الطمس ، بل ونجح في كسر طوق مشروع إيديولوجي تأحيدي أصولي كان يتطلع لإفناء ممنهج للأمازيغية عبر جعلها مجهولة الروافد (Anonymisation ) و تحويلها لمجرد ظاهرة صوتية شفهية بلا جسد ولا روح (Fantomisation) واختزالها في مجرد تقاليد للفرجة (Folklorisation ) وتبخيسها عبر تقديمها كعوالم عجيبة ومثيرة وغرائبية ( Exotisation ) …

كان حاملا مشعل النهوض بالأمازيغية لغة وثقافة. أوجد بشجاعة، وضد التيار الجارف، لحالة غير مسبوقة من الوعي التحرري والتقدير الذاتي جعلت الأمازيغ يستكشفون جذورهم وتراثهم الجميل والثري ، فدب دبيب الحياة واندفعت متدفقة دماء جديدة في الشرايين معلنة بداية وعي الأمازيغ بكينونتهم وضرورة مقاومة الهيمنة ،الاستلاب والاغتراب بإحياء أنبل ما في قيمهم وأجمل ما في تاريخهم وتراثهم الفني. لم يكن غريبا أن يكون أحد مفجري الربيع الأمازيغي ( تافسوت إمازيغن) (Tafsut Imazighen) والتي دشنت منعطفا جديدا في تاريخ وعي الأمازيغ بقضيتهم .

كان الفنان إيدير على علم بمولود معمري وطالما سمع وسط عائلته أحاديث عن عائلة أيث معمري وهيبتها في أوساط أيث يني وتاوريرت ميمون وكل قرى تيزي وزو. والد مولود معمري سالم آيت معمر عمل صائغ فضة وكان شاعرا ولامين القرية (أمين وليس قايد ) أي ممثل ثاجماعث وحَكَمُها وحارس الذاكرة الجماعية والشرف والحرمة (Annîf ) والقائم على احترام التقاليد ومصلحة الجماعة وأعرافها وقيمها . والمفكر الجزائري محمد أركون الذي ينتمي لنفس القرية كلما كان بحضرة صديقه مولود معمري إلا واستعادا بكثير من المرح سرد كيف تعلم أركون أول درس عملي في الأنثروبولوجيا على يد سالم معمري بعد أن كان على وشك أن يعاقبه بالضرب بالعصا وتلقى توبيخا شديدا منه أمام الملء في المقهى في القرية على إثر محاضرة ألقاها أركون عام 1952 وحضرتها كل مداشر أيث يني وكان قد حصل للتو على الإجازة في اللغة العربية من جامعة الجزائر . رغم أن ابنه مولود معمري هو من استدعاه وطلب منه تناول موضوع مكانة المرأة في المجتمع القبائلي ( تفاصيل الواقعة تحتاج لتدوينة لوحدها). كما لا ننسى أن عم مولود معمري موحند لونيس معمري كانت شخصية مثقفة متمكنة من اللغة العربية وثقافتها وتجاوزت شهرته الجزائر كلها واحتل مكانة خاصة ومميزة في القصر الملكي بالمغرب بعد أن كان مدرسا لولي العهد آنذاك المغفور له الملك محمد الخامس.

اعتبر المغني إيدير مولود معمري بمثابة الأب الروحي الذي يستلهم منه الإيمان بالحرية والكرامة والتضحية لمواصلة المشوار الفني بما يعيد الاعتبار والاعتراف بالهوية الأمازيغية ، فمولود لم لم يساوم ولم يطمح في المناصب ولا في الانخراط في السياسة وكان مؤمنا وملتزما فقط بقضيته .كانت بينهما محبة أبوية راسخة ، وكان إيدير دائما ما يخاطب مولود معمري ب دادا مولود ( Dda l Mulud ) وفي كثير من حفلاته الموسيقية كان يشيد ويحتفي بالراحل مولود معمري وكان يحرص في المرات القليلة التي زار فيها الجزائر على زيارة قبره بأيث يني .

قبل أن يتعرف عليه كان إيدير في السبعينات خلال حياته الجامعية معجبا بمولود معمري الذي كان الطلبة يرون فيه المثقف الملتزم بالقضية الأمازيغية، وحرص إيدير رغم تخصصه في الجيولوجيا على أن لا يفوت حضور محاضراته حول الثقافة الأمازيغية بجامعة الجزائر. ستجمع بينهما لاحقا علاقة حميمية وطيدة وكانت بينهم مراسلات عدة ، في إحدى رسائله يقول مولود معمري ما معناه ( الترجمة غير دقيقة) : ” هل تعرف حميد ( اسم إيدير الحقيقي حميد شريت) لم أكن أتصور أني سأعيش حتى أرى إشعاع ثقافتنا وقد أعيد لها الاعتبار بشكل رائع (…) . لقد أَعَدْتَ ( يقصد إيدير) لها المكانة التي تستحقها عن حق ، وهناك في أعالي السماء أشعر أن أرواح أجدادنا راضية عنك وتغمرك ببركاتها ” . وسيعترف مولود لاحقا لإيدير بأنه كتب هذه الكلمات وهو يذرف الدموع بقوة ولم يستطع كبحها. مراسلات عدة جمعت بينهما ، يقول إيدير بعد وفاته ( “توفي” مولود معمري عام 1989 بعين الدفلة وهو عائد برا من وجدة في سيارته بوجو 205 بعد مشاركته في ندوة بكلية الآداب والعلوم الإنسانية ) : ” ماذا يمكني أن أقول عن دادا مولود والذي لا نعرفه عنه ؟ علاقتي به كانت جد قوية جمعتني به صداقة قوية ، (…) أحتفظ بالكثير من رسائله وبعضها يشكل جزء من حياتنا الخاصة.(…) . كان إنسانا عظيما أعطى بدون حساب ولم يطلب بالمقابل أي شيء. أليس هذا ملاكا؟ أينما كنت يا ددا مولود فلتعلم أننا هنا ما زلنا مستمرون وسنستمر دائما في تمجيد أعمالك وستبقى في قلوبنا ذلك الشخص الذي دلنا على الطريق المضيء نحو هويتنا وستظل فخر عالم الأمازيغ والجزائر وبالخصوص فخر أيث يني”.

جمعتهما قناعة شديدة بأن إحياء الهوية الأمازيغية والاعتراف بها ليست مسألة دساتير وقوانين بل هي قبل كل شيء رهان مرتبط بإرادة الدفاع عنها والتشبث بها لتكون حية وممتدة في واقع وحياة الناس ، يقول ددا مولود : ” لدي قناعة بأن هذه الثقافة ما دام أن هناك أشخاص يطالبون بها ويلتزمون بها فإنها لن تموت” . وقد التقط العديد من الفنانين الشباب الأمازيغ ،ومنهم إيدير وفيلسوف الأغنية الأمازيغية أيت منقلات (Aït Menguellet) ، في بداية السبعينات بذكاء رسالة مولود معمري في محاضرة جامعية عام 1971 حين أشار إلى أن : ” الشعب إذا حُرِمَ من كتابة لغته بإمكانه دوما تكلمها وغناءها.” فوضعوا نصب أعينهم الموسيقى والغناء كسلاح ووسيلة للاحتجاج والمقاومة وإسماع صوتهم والتعبير عن مطالبهم بالاعتراف باللغة والثقافة الأمازيغية وإحياء التراث الشفهي الأمازيغي. وبالفعل لعبت الأغنية الملتزمة دورا هاما في تقوية الوعي الشعبي بالانتماء إلى الهوية والثقافة الأمازيغية خصوصا مع سليمان عازم،مليكة دومران، إيدير، آيت منقلات وتكفاريناس، ومعطوب لوناس، وفرحات مهني.

جمع أيضا بين ددا مولود وإيدير عشق الأرض “ثامورث” وعشق أيث يني وتاوريرت ميمون وعشق شجرة الزيتون وشجرة التين والجبال التي تذكرهما بذكريات الطفولة بأيث يني ، ددا مولود اعتبر الجبال تحديا ضد التفاهة والضعف وتجسيدا للشجاعة وكان يردد ” بيني وبين الجبال قصة حياة حقيقية” ، وغنى إيدير للجبال التي لها حضور طاغ في كل أغانيه وقد صرح ذات مرة بأنه كلما كان يعود وهو شاب لأيت يني كان يحب أن ” يتأمل الجبال لمدة ساعات عدة دون أن يمل فقد كان يستمد منها الطاقة اللازمة للحياة”، لهذا أهدى أغنيته “جبلي” “أذرار إنو” (Adrar Inu) التي غناها عام 2013 لبلدته آيث يني. جمع بينهما أيضا عشقهما المجنون لأشعار (Isefra ) شاعر الأمازيغ الأول سي موحند أومحند (Si Mohand Ou Mhand) وقد بذل مولود معمري ، بعد ميلود فرعون ، دورا هاما في تدوين التراث الشعري العالمي لسي موحند للوجود وإنقاذه من الاندثار ، كما غنى إيدير الكثير من أشعاره.
تأثر أيدير كثيرا لرحيل ميلود معمري فأهدى له أغنيته الرائعة ” أمدياز” (Amedyaz) ( عكس الحمولة السلبية التي يحملها إمديازن بالريف فأنه عند القبايل تعتبر ثمذيازت نمطا شعريا تقليديا والأمدياز هو الشاعر الجوال والحكيم المؤرخ لوقائع مجتمعه…). الأغنية تتناول ألم الفراق والإحساس باليتم وفقدان دفء الكانون وبكاء الأمكنة التي عاش فيها والفراغ الذي تركه مولود وحضوره الدائم والمستمر في الذاكرة والحكايات وفي مسقط رأسه تاوريرت ن ميمون بأيت يني .

في 2015 حضر أيدير للجزائر في زيارة خاصة وتم تنظيم تكريم شعبي على شرفه في قرية آيت يني فكان حريصا على زيارة قبر صديقه مولود معمري . وفي يناير 2018 كانت العودة الرسمية لأيدير لوطنه الجزائر بعد 38 سنة من المنفى الاختياري وبعد أن اعترفت السلطة بالأمازيغية لغةً وطنيةً ورسمية في دستور 2016. خلال الحفل الموسيقي التاريخي الذي أحياه بالعاصمة الجزائر لمدة يومين حرص ايدير على أن يكون الافتتاح بتكريم صديقه الكاتب مولود معمري بقصيدة مطولة ثم تقدم الكورال الموسيقي لأيت يني مسقط إيدير ومولود وصعدت فتيات باللباس النسوي الأمازيغي القبائلي المتميز والمزركش الألوان ( ثاقندورث نلقبايل ) للمنصة ليقدمن وصلات غنائية قبائلية تكريما لمولود معمري.

وفى مولود معمري وإيدير بعهدهما ، كلماتهما وأشعارهما تتحديان الزمن والأمكنة ،بفضل عمق ونقاء روحهما غرسا في جوف الليل شجرة نابضة وافرة الظلال والضياء يفيء إليها المتعطشون لمعنى الهوية والحياة من كل حدب وصوب.

تجدون رفقته أغنية أيدير ” أمدياز ” المهداة لمولود معمري والتي تحتوي لقطات من الجنازة المهيبة التي خصصت له بأيث يني والتي حضرها حسب عدة تقديرات 200 ألف شخص وفي غياب تام لرجال السلطة. ورفقته أيضا نسخة رائعة لنفس الأغنية بصوت أوبرالي للمغنية الجزائرية أمل إبراهيم جلول .

تعليقات الزوار ( 0 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *