رحيل الأستاذ أحمد بنكوكوس : قامة أخلاقية وعلمية متدفقة بالعطاء والمحبة

كتب في 5 أبريل 2021 - 10:22 ص
مشاركة

متأثر وحزين جدا لخبر وفاة أستاذي أحمد بنكوكوس يوم الجمعة 2 مارس بمدينة بني ملال . كان رجلا شهما من أطيب خلق الله ، ساهم رحمه الله في تكوين جيل من طلبة الحقوق منذ نهاية السبعينات.

كان بالنسبة لي الأب الروحي بكلية الحقوق بوجدة فقد شملني برعايته وعنايته منذ أن أصبحت طالبا بالسلك الثالث حيث كان يدرسني مادة المدخل للعلوم السياسية . كان نعم الأستاذ ونعم المربي ونعم الصديق ونعم المناضل السياسي صاحب قضية ومبادئ ، هو محل احترام وتقدير كل الطلبة والأساتذة بالكلية طوال الثلاثين سنة التي قضاها في التدريس الجامعي بوجدة .

 

يعتبر أستاذي أحمد بنكوكس رحمه الله قامة علمية وأخلاقية ، هو من أوائل الأساتذة المغاربة الذين التحقوا بكلية الحقوق بوجدة عند افتتاحها عام 1979 وإلى غاية منتصف الثمانينات كان أغلبية الأساتذة مشارقة من مصر وسوريا ولبنان ( الأساتذة المحترمون محمد عرب صاصيلا، محمود رعد، البدراوي، برسوم ، تركي، فايز سارة،…). وقد ارتبط اسمه بمدرج القدس حيث درس لسنوات عدة القانون الدستوري والنظم السياسية بعد رحيل الأستاذ عرب صاصيلا عن وجدة في اتجاه سوريا وعرف بتواضعه ونزاهته وثقافته الموسوعية حيث كان يتنقل بسهولة بين القانون، علم السياسة، التاريخ السياسي المغربي الراهن ، الفلسفة ، الدراسات الفقهية والأمثال الشعبية.

هو من أصول سوسية وارتبط روحيا بمدينة الخميسات حيث عاش مدة طويلة ،كان مساره التعليمي حافلا بالتجارب والاحتكاك بمدرسة مولاي يوسف بالرباط مع العديد من رموز اليسار المغربي وتعاطف وانخرط مبكرا في الحركة اليسارية بالمغرب بعد الاستقلال . كان تكوينه علميا حيث اشتغل مدرسا للرياضيات ثم كان من أوائل مفتشي الرياضيات بالمغرب. استهوته الدراسات القانونية والسياسية من خلال زخم احتدام النقاشات والجدالات مع زملائه حول العديد من الأسئلة التي تهم المغرب السياسي ومآلاته ، مما جعله ينحرف نحو مسار أخر ، فبدأ مشوارا جديدا توجه بالحصول على دبلوم الدراسات العليا في القانون عام 1979 في موضوع : ” السياسة الخارجية المغربية واتفاقية الشغل الثنائية :هجرة اليد العاملة”.

في كل محاضراته على مستوى الإجازة أو السلك الثالث كان يدافع باستماتة عن المنهج العقلاني والفكر التحديثي النقدي ولا يطيق كل الأصوليات ، كان يقدر طلبته كثيرا ويحفزهم على التعبير عن أرائهم بكل حرية بعيدا عن أية وصاية ودون تملق ونفاق وتذلل . يستقبل الطلبة بقلب رحب سواء في منزله أو في الكلية وهو مستمع جيد لمشاكلهم وانشغالاتهم ويراعي كثيرا ظروفهم الاجتماعية.

نجح خلال انتخابه رئيسا لشعبة القانون العام لولايتين أن يخلق توافق وتآلفا كبيرا بين الأساتذة .كان ينثر الابتسامة وسط زملائه ويخلق جوا رائعا يزيل به ويذيب الجليد مع الطلبة ويجعل كل المساطر المعقدة سهلة . لم يكن راضيا عن الوضع العام في الكلية لكنه كان رجل حكمة وتوازنات، فاجتماعات الشعبة تمر بسلاسة وفي جو مرح.

لم يكن يستعلي على معتقدات الناس وموروثهم الثقافي الشعبي وكثيرا ما يستشهد بالأمثال الشعبية في نقاشاته الأكاديمية . وهو حامل وحافظ للقرآن الكريم وكثيرا ما تفاجأ الأساتذة خلال بعض المناسبات الدينية والتأبينية بالأستاذ أحمد بنكوكوس وهو يترك الأساتذة جنبا ليلتحق ويجلس مع قراء القرآن ( الطلبة ) في قراءة جماعية .

له هيبته ووقاره في المدرج بالنسبة لدرس القانون الدستوري في السنة الأولى حقوق وفي القسم بالنسبة لطلبة السلك الثالث ، خلال إلقاء محاضراته كان أنيقا في ملبسه وغالبا ما يلبس بذلة زرقاء أو بنية اللون مع ربطة عنق أنيقة ، وفي عز أيام البرد يفاجئنا بجلباب صوفي أسود اللون يزيده وقارا على وقار . صوته الجهوري والقوي يجعل الصمت يخيم على المدرج حين يلقي محاضراته .

اعتبر احترام الوقت والمواعيد مؤشرا للتحضر والتمدن والتقدم واحترام حقوق الإنسان،لم يعرف عنه أنه تأخر يوما ما عن حصصه بل كثيرا ما كان الطلبة يتفاجئون بتواجده بشكل مبكر داخل المدرج . حتى خلال اجتماعاتنا بشعبة القانون العام كان رئيس الشعبة الأستاذ أحمد بنكوكوس يسبق كل الأساتذة في الحضور.

على أثير الوفاء والذكريات الجميلة التي جمعتني بأستاذي رحمه الله والتي احتلت مساحة شاسعة من قلبي تبقى دائما عبارة لم ولن أنساها أبدا وهي ” أنا هنا إذ احتجت لأي شيء ، كيف يمكنني أن أساعدك ؟ ” ” راني هنا إلى بغيت أي حاجة ، كيفاش نقدر نعاونك ؟” ، كنت فخورا جدا حين كان ضمن لجن مناقشة رسالتي لنيل دبلوم الدراسات العليا وأطروحة الدكتوراه ، وقد أقلني في سيارته المتواضعة عام 1998 بعد انتهاء مناقشتي لدبلوم الدراسات العليا واستفسرني ” هل تحتاج لأية مساعدة ؟ “.

التقيته بانتظام في السنوات الأولى لتقاعده وهو دائما في لباس رياضي لم يتغير مزاجه ولا روحه المرحة ، كان نشيطا جدا ويقوم بجولته الرياضية المعتادة مشيا على الأقدام وهو مبتسم كالعادة ويسأل عن أحوال الكلية وأساتذتها وطلبتها.

رحم الله أستاذي أحمد بنكوكوس وأسكنه فسيح جناته ، تعازينا الحارة لكل أفراد عائلته ولأبنائه شذى ومهدي ومحمد أمين ، ونسأل الله أن يلهمهم الصبر ، وإنا لله وإنا إليه راجعون.

 

بقلم: د.محمد السعدي، أستاذ جامعي

The following two tabs change content below.

شمس بوست

موقع مغربي شامل ومستقل، يتجدد على مدار الساعة

تعليقات الزوار ( 1 )

أضف تعليقاً

لن يتم نشر عنوان بريدك الإلكتروني. الحقول الإلزامية مشار إليها بـ *