الهروب للأمام

يظل المرء يتساءل حول أسباب لجوء دولة مستقرة تمتلك جميع قنوات وأدوات التواصل مع فئات الشعب المختلفة للخيار الأمني كحل أولي ونهائي لكل أشكال الاحتجاجات؟ ولماذا تستعمل القطاعات الوزارية المختلفة وزارة الداخلية كبعبع تسلطه على المنتفضين ضد سياساتها أو المطالبين إياها بتطبيق التزاماتها أو تجويد عملها؟
وهل يعود الأمر حقا لما عبر عنه خطاب العرش لسنة 2017 بالفراغ المؤسف والخطير الذي يدفع بالقوات العمومية لمواجهة الساكنة وجها لوجه؟ فيما يشبه التدخل الاضطراري لا السياسة الممنهجة، أو ما عبر عنه المحللون ساعتها بتدخل القوات العمومية مكرهة لمواجهة تداعيات فشل التدبير والسياسات العمومية؟
وماذا تستفيد الدولة من محاولة إنفاذ الحل الأمني الذي يضرب صورتها في الداخل كما الخارج، ويعزز التضامن مع ضحايا عنف وقمع أجهزتها مهما كانت قضيتهم، ويحثهم أنفسهم على المواصلة والتشبث بمطالبهم رفضا لمنطق الإجبار على العودة لبيت الطاعة؟
ألا تتقن الدولة لغة أخرى وتمتلك وسائل أكثر تحضرا؟ أم أن هذه الحفلة من القمع طقس ضروري قبل الانتقال لمائدة التفاوض والحوار؟ ربما بغرض إرسال إشارات معينة والتأثير في سلة المطالب؟ أو لعلها ترضى حقدا دفينا على مواطنين أدركوا أن مسؤولي الدولة إنما هم موظفون يؤدون واجباتهم فقط وليسوا مبجلين عن الانتفاض بوجههم في حالة التقصير بل ومحاسبتهم في حالة الإدانة؟ أم أن الأمر أبسط من هذا كله حيث لا يعدو أن يكون تدريبا عمليا لأفراد القوات العمومية؟ من يدري؟
إن الأمر فعلا يستدعي الوقوف والمساءلة، خاصة مع تكراره في كل مناسبة.
والحقيقة أن سؤال فعالية المقاربة الأمنية في التصدي للاحتجاجات الاجتماعية بما تمثله من لجوء للخيار الأسوأ والأكثر تكلفة يثبت العجز عن تدبير الملفات وإيجاد قنوات حوار، كما يحيل أيضا على ضعف الموقف باعتبار أن صاحب الفكرة الأضعف هو الذي يلجأ للقوة لفرضها. إن التصعيد واستعمال العصا في كل مرة هو في النهاية دليل ضيق أفق وانعدام القدرة على طرح الحلول وإعلان عن حالة إفلاس سياسية متقدمة.
وإذا كان الخبراء يجزمون بقصور المقاربة الأمنية في القضاء على الظواهر الإجرامية وينبهون لضرورة اعتماد مقاربات أخرى تربوية وسيكولوجية فلماذا يعتقد أنها قد تنجح في إيقاف احتجاجات مطلبية سلمية تماما؟
المقاربة الأمنية إن كانت قد اثبت نجاعتها كما تقول بيانات وزارة الداخلية وتصريحات مسؤوليها في التصدي للتحركات والتهديدات الإرهابية فالأمر هنا مختلف تماما، فالأساتذة المحتجون في الشوارع اليوم وقبلهم أهل الريف وجرادة وغيرهم كثير لم يشكلوا أي خطر أمني على هذا البلد أو على مؤسساته أو ساكنته، على العكس تماما فالحفاظ على مؤسسات الدولة واللحمة الشعبية والالتفاف حول الثوابت حاضر دائما في قلب مناشداتهم ومطالباتهم.
والمؤسف جدا بل والمخيب للآمال هو أن الخيار الأمني في التعامل مع المحتجين يعتدي على حقوق دستورية يضمنها القانون الأسمى في البلاد، مما يعزز التساؤل حول حقيقة التنزيل الفعلي لمضامينه على الأرض، ومدى احترام مقتضياته من طرف الفاعلين في الشأن العام.
ولا داعي للحديث عن المبررات التي يخرج بها المسؤولون لتبرير العنف، فهي تبقى نفسها في كل مرة، نفس الورقة الملعونة يقرأها في أوجهنا وكأنما يبصق علينا ويسخر من عقولنا وجه مختلف في كل مرة. الحديث عن مخترقين عن مشاغبين عن ملثمين بادروا بالعنف.. الحديث عن جهات تدفع وأشخاص تحرض.
وفي أحيان كثيرة لا يقتصر السؤال على مجرد استعمال القوة، بل يتعلق باللجوء للقوة المفرطة جدا بالنظر لما يتطلبه الوضع المراد معالجته، ومثال واضح على هذا الأمر نجده في العسكرة التي شهدها إقليمي الحسيمة وجرادة إبان حراكهما، فعدد وحجم القوة المستدعاة للإقليمين كانت توحي بأن الأمر يتعلق بحرب حقيقة أو تهديد خارجي ضخم وليس احتجاج شعبي اجتماعي أثبت على مدار عدة أشهر سلميَته وحضاريته بشهادة مسؤولين كبار.
طبعا يقع جزء كبير من مسؤولية مآلات الأحداث للهيئات السياسية والنقابية والمدنية، هذه الأخيرة التي تخذل المواطنين كعادتها فلا هي تؤسس لحلول أو بدائل ولا تسعى لتوفير ضمانات لحل الأزمات بداية، ولا تتدخل لاحقا لإدانة التعامل الأمني والضغط لفتح تحقيقات حول التجاوزات والخروقات والاعتداءات على السلامة الجسدية والمعنوية التي تحدث أثناء تفريق المحتجين وفض أشكالهم النضالية.
في النهاية يصعب حقا الاتفاق على إرجاع اعتماد هذه المقاربة لسبب محدد غير محاولة الهروب للأمام، إلا أن المتفق عليه هو أن تلك الرضوض والجروح وحتى الإصابات الأكثر خطورة وليالي الرعب والمطاردات وحتى سنوات الاعتقال كلها ستنتهي وتنسى وما سيضل راسخا في الذاكرة الجمعية هو حالة الإفلاس السياسي وتنامي الرفض والقطيعة مع السياسات الأمنية وسقوط كل تلك الجهود المبذولة لتلميع صورة المؤسسة الأمنية في نظر الرأي العام.

كلمات دلالية
شارك المقال
  • تم النسخ
تعليقات ( 0 )

اترك تعليقاً

1000 / 1000 (عدد الأحرف المتبقية)